full screen background image
   السبت 25 يناير 2020
ر
العصا و الذباب و خطاب طارق ذياب!-التيماء

العصا و الذباب و خطاب طارق ذياب!

بمناسبة ما قيل عن إعادة توزير السيد طارق ذياب، نعيد نشر مقال صدر لنا في صحيفة “المستقبل العربي” بتاريخ 21 أفريل 2012 بُعيْد ما حصل في شارع بورقيبة بمناسبة عيد الشهداء، و إثر “خطاب” شعبيّ ألقاه السيد طارق في باب سويقة انتقد فيه المعارضة و قال قولته : العصا لمن عصى!

لا أخال معالي الوزير طارق ذياب ، و هو الذي  طبقت شهرته الآفاق إلاّ رمزا وطنيّا لا بدّ من إكرامه في حياته ،وتخليده بعد مماته (بعد عمر طويل) ،فالرجل استثنائيّ بكلّ المقاييس و لا ينكر ذلك إلاّ جاحد أو مناكف حاسد. فالسيد الوزير يُحسب له أنه قبل عقود من الآن  تنبّه إلى قيمة السيقان وزهد في علوم الفيزياء وفنون البيان،ولذا باكر إلى ملاعب الصبيان،قبل فوات الأوان،،فكان ما كان..

صار الفتى من أساطين الألعاب،وجنى مع فريقه الألقاب،واختار له القدر رقما زوجيّا،مكوّنا من صفر إلى اليمين ،وواحد إلى الشمال..لا مسافة بين الرقمين غير مسافة الحلم..وليس بينهما غير التناصف. فإمّــا أن تكون صفرا،،وإمّــا أن تكون واحدا..وفي غمرة الشّباب وفورتـــه،حاز صاحبنا سنة 1977 الكرة الذهبية الإفريقية، ولا أعتقد أنّني علمت أنّ سواه من بعده قد نال هذا الشرف الأثيل..صحيح أنّني لست واثقا،ولكنّني أعترف لكم أنّ ثقافتي الكرويّــة لا تفوق ثقافة معالي الوزير الأدبيّة،ومعلوم  (كما يقول معاليه) أن التواضع تاج الحكماء، لذلك وجب التنويه خشية أن “نُحمّل إصرا،أو نُحمّل ما لا طاقة لنا به”..

ولكنّ لاعب الكرة قبل أن يصير مدرّبا ومعلّقا في الفضائيّات الكونيّة،حذق قيس الحدود والأبعاد، والتزم ما استطاع إلى ذلك سبيلا خطوط الملاعب المسطورة بإحكام .  وصار نبيها في التحديد ومنه في التسديد. ولعلّه في كلّ لقاء كرويّ كان يتلو ما بقي في الذاكرة من قوله عزّ من قائل:                                 “و السماء و الطارق”،لذلك رفع عبر مسيرته المظفرة سماء أحلامه ــ رفع الله مقداره ــ ولست أشكّ أنّــه كان جذلا وهو يقــرأ أيّام تلمذتــه في كتاب الأولى ابتدائي (زمن تعلّمه) في صفحة درس حرف العين :”قرع عفيف طبله.”. و التعلّم في الصغر  ـ كما علمتم ــ كالنقش على الحجر،لذلك تعلّم معاليه في حياته شرف القراع،مثلما داوم الحرص على تحاشي كل نزاع.

و”معلوم” أن كلّ مشهور له أتباع وأشياع و مريدون،،وله أيضا خصوم مناوئون،و حسّاد و مغرضون.. وكذا كان وزيرنا الهمام،،نأى بنفسه عن الأوهام،فلم يُشــارك يوما في الاعتصامات،ولم يهتف في المظاهرات، ولم يُدنّس اسمه الشريف بالإمضاء في عرائض الاحتجاج،لأنّ المعارضة من فعل السّفلة والهجاج..وحاشا أن يكون معاليه من أهل الشقاق،فذاك من مساوئ الأخلاق،،والروح الرياضيّة تقتضي الاندماج مع الرعيّة، وتعني لأولي الأمر الانطياع،ولحكمهم الانصياع..

ولكنّ ثورة البلاد المجيدة،خلقت لمعاليه أحلاما جديدة،فغادر إمبراطوريّة الجزيرة،وعاد إلينا نقيّ السّريرة..   فلا هو على عائلة المخلوع حاقد،ولا هو على ما جمعته درصاف وبعلها من ثروة حاسد..  وعلى حين غرّة منّا، أعلن الحــداد على زمن الحيــاد،وقرّر طارق أن يطرق باب السياسة العنيد،بهدي الشيخ الرشيــد،يبارك صبره المديد،،ونظره السّديد..فكان أن صار لاعب الكرة لاعب الحكومة..وصار معلّق الجزيرة خطيب الجموع الغفيرة..ترك ملايين قطر و النجوميّة،وجاء باب سويقة ناطقا مفوّها في الجموع النهضويّة،،وصاحبنا يعلم بلا شك قيمة المكان،لأنها منغرسة في الوجدان،،ففي باب سويقة كانت جماعة تحت السور،وكان منهم خريّف و الدوعاجي و كرباكة وخميس ترنان والشابي ،وفي رمضان قبل أن يطرق وزيرنا باب الوجود،كانت في باب سويقة سهرات الفنّ والفكاهة والإبداع.. نحن واثقون تماما أنّ معاليه يعرف من هذه الرموز كلّ عــلم،  إذ لانشكّ أنه ــ بصرف النظر عن سرعة فراقه مقاعد المدارس ــ قارئ نهم ،ولأنّه أصيل اختار أن يكون اللقاء في موضع الذكرى،ضرب من الحنين إلى فريق الترجّي،والوفاء إلى مقهى تحت السور..

وصاحبنا تعلّم ــ ما تيسّر ــ في زمن الفلقة و العصا،وبقي منه في البال قصّة النبيّ موسى مع عصاه،كانت فيما تروي الآيات البيّنات لا تفارقه،بها يهشّ ــ عليه السلام ــ على الغنــم ، وله فيها “مــآرب أخرى”..

وربّما اختلف الأئمّة المفسّرون في إيحاء المآرب،و إيماء العبارة،حتّى جاء الفاتح الجديد يجلو ما كان غامضا، ويصرفنا عن الإبهام إلى الإيضاح،فقد علمنا بعد خطابه المشهور و درّه المنثور أنّ العصا لها بركات كثيرة لا يدرك كنهها غير موسى كليم الله، ولذلك ألقاها” فإذا هي حيّة تسعى” وألقى بها السيد الوزير فإذا هي خط أحمر يرسمه معاليــه أمام إعلام البنفسج ، وصحافة العار .. فما دامت الجماعة تناكف الحكومة فهي ــ لا شكّــ ـ من الفجّــار العتـــاة،و من كبار العصاة.. سكت ألــفا،، و نطق خُــلفا ،،ولم يقرأ في تاريخ الأمم أن “روزفلت” الرئيس الأمريكي قال ذات يوم : “تكلّم برقّــة،وأمسك بعصا كبيرة”..

والوزير الألثــغ كما قال كثيرون معذور، لذلك صرّح بمكنون الصدور، وكشف المستور، فأعلن لحكم النهضة الدوام،وحدّد ميقاتا يمتدّ إلى أعوام.. تفصّح لسانه ليهين التونسيين الذين لم يشاركهم يوما نضالهم المجيد طلبا لحكم رشيد ..وخال أنّ الوزارة تُجوّز كلّ عبــارة، وتمحو عن الأخرس عاره..

وحتّى لا تظلّ العصا وحيدة،تفتّق الذهن الخلاّق ليصلها بالعجلات ، فزعم حكامنا الجدد أنّ العصا تحوّلت من أيدي الأنبياء إلى جماعة الصفر فاصل، فصاروا يعطلون ــ أخزاهم الله ــ عجلة الاقتصاد      ويلقون عصيّهم تحرف مسارها ،و تشوّه ثمارها..ولأنّ الثمــر قد يتعفّــن ، وقد يُغري الذّباب ،كان لابدّ من ابتداع ما به ندرأ الخطر، وسيسجّل التاريخ أنّ تونس لها براءة اختراع عصا المعارضة العجيبة،التي تطلب من الحكومة عصا سحريّة، و ستُسجّل لها براءة اختراع آخر ممّــا ابتدعت النائبة المحترمة :”هالة الحامّي” فهي أدركت بحسّها النبيه، واستشعارها النافذ، أنّ العصا لا تكون فعالة إلاّ إذا اتصلت بها في آخرها منشّــة،فنحن في موسم نهاية الأمطار، ننتظر موسم البعوض و الذباب.. والذباب صغير الجرم، لا تدركه يد من يتعقّبه بعصا،،لذلك اقترحت ممثلة الشعب الكريم أن نعتبر الإعلاميين ذبابا،وأن نعُــدّ ما يصدر عنــهم طنينــا، ولعلّها راسلت الوزير طارق ذياب في نطاق التعاون بين المجلس الموقّر و بين الحكومة العتيدة فاقترحت أن تكون العصا متصلة في آخرها بمربّع أو مستطيل من البلاستيك القبيح،   و ربما أوصت بتوزيعها على كلّ شاويش قبل المظاهرة القادمة ،حتّى لايعتدي أي منهم على 14صحفيّا (كما حصل في 9أفريل) وحتّى تتخصّص هراوات الشرطة في الإجهاز على الغاضبين، وتُعــتمد منشّات النائبة ليتمّ “لــطش” الصحفيين و الإعلاميين،  فهم لا يستحقون ضرب الهراوات،،بل لطش المنشّــات، لأنّــهم ببســاطة ذباب و حشرات..

لابدّ أنّ السيدة الفاضلة تعشق كليلة و دمنة ،أو لعلّهــا من متصفّحي كتاب الحيوان للجاحظ ، وقد تكون أعمق اطلاعا ممّا سمح لها بمطالعة ما كتب أرسطو في “الحيوان” (أيضا)،، ولكنّني أشــكّ أن تكون من عشّاق محمود درويش ،لأنها لو عرفته لاستنجدت بقوله المشهور:  إلهي..لماذا خلقت البعوض؟؟

                                                        خـالد كرونـة   ـــ كاتب من تونس