
تظل قضية إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في القرن الأفريقي. فمنذ عام 1991، وعقب انهيار حكومة زياد بري، أعلن الإقليم انفصاله عن الصومال من طرف واحد، ليتربع على مساحة تزيد عن 176 ألف كيلومتر مربع في موقع استراتيجي فريد على شاطئ خليج عدن.
سياق تاريخي: من الاستعمار إلى الوحدة المتعثرة
تاريخياً، خضعت “أرض الصومال” للاستعمار البريطاني في الفترة (1884-1960)، بينما كان الجنوب يخضع للاستعمار الإيطالي. ورغم نيلها الاستقلال في 26 جويلية 1960 وانضمامها الطوعي للجنوب، إلا أن الرياح لم تأتِ بما تشتهي السفن، لينتهي بها الأمر كدولة معلنة من طرف واحد لم يعترف بها أحد دولياً لثلاثة عقود.
تطورات متسارعة: قاعدة بربرة ومزاعم التهجير
بدأ التحول الاستراتيجي في الإقليم عام 2017 حين باشرت الإمارات العربية المتحدة إنشاء قاعدة عسكرية في مطار مدينة بربرة. ومؤخراً، تزايدت التساؤلات حول نية الولايات المتحدة الاعتراف بالإقليم مقابل “تهجير أهل غزة” إليه، وهو ما نفاه وزير خارجية الإقليم عبد الرحمن داهر آدم جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن قضية غزة لم تكن مطروحة أصلًا وأن الإقليم لم يوافق على استضافة سكان القطاع.
الإعلان المشترك: اعتراف متبادل وتحالفات جديدة
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلن مجرم الحرب نتنياهو في 26 ديسمبر 2025 عن توقيع إعلان مشترك لـ “الاعتراف المتبادل” مع أرض الصومال. وبحسب المصادر، يعتزم رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله زيارة دولة الاحتلال قريباً للانضمام رسمياً إلى اتفاقيات التطبيع، في حين تمسكت الخارجية الأمريكية بموقفها المعلن في الاعتراف الكامل بوحدة الأراضي الصومالية.الأبعاد الجيوسياسية: تركيا والحوثيون
تبرز في هذا الاعتراف الصهيوني غايتان أساسيتان: استهداف تركيا: التحرك الصهيوني يمثل رسالة مباشرة لأردوغان وتحدياً للنفوذ التركي المتنامي في الصومال، والذي وصل حد إنشاء ميناء عسكري.
محاصرة الحوثيين: تمثل “أرض الصومال” منصة استخباراتية وعسكرية لتقصير المسافات التشغيلية تجاه اليمن وتأمين المصالح الصهيونية في البحر الأحمر.
ردود الفعل: غضب صومالي ورفض إسلامي
قوبل هذا التحرك برفض قاطع؛ حيث وصف ممثل الصومال في الاتحاد الأفريقي الاعتراف الصهيوني بأنه “باطل” و”تهديد لباب المندب وقناة السويس”، محذراً من أنه سيدعم الحركات الإرهابية كجماعة الشباب. كما أعلنت 21 دولة عربية وإسلامية رفضها القاطع لهذا الإجراء، محذرة من تداعياته الخطيرة على الأمن في القرن الأفريقي.إن ما يشهده إقليم “أرض الصومال” اليوم يتجاوز مجرد الرغبة في الاستقلال؛ فهو وضع الإقليم في قلب عاصفة من التجاذبات الدولية بين مشاريع النفوذ التركي، والوجود العسكري الإماراتي، والمطامع الصهيونية المستجدة. وبينما يسعى الإقليم لانتزاع شرعية دولية عبر هذه البوابة، تظل وحدة الصومال وأمن البحر الأحمر على المحك، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مواجهة بين هذه القوى المتصارعة على أرض القرن الأفريقي.
محمد عاشور















