full screen background image
   الأربعاء 7 يناير 2026
ر

من الحرف إلى التجلي: سيمياء التصوف واللون في تجربة “توفيق العيساوي” التشكيلية

تُعدّ تجربة الفنان التونسي “توفيق العيساوي” من أبرز التجارب المعاصرة التي تمثّل تقاطعا بين الممارسة التشكيلية وعمق المرجع الثقافي المحلي، حيث يُعيد الفنان الاشتغال على الموروث البصري العربي الإسلامي، لا بوصفه معطى جامدا أو زخرفا جاهزا، بل كحقل دلالي مفتوح على التأويل والتحوّل. فالعيساوي لا يشتغل على المادة الخزفية من منطلق حرفي أو تزويقي، بل يُوظّفها كمساحة للبحث في الرموز، وفي أثر الذاكرة الجماعية، وفي إمكانات التعبير عن الذات من خلال العلامة، اللون، والخط. يتميّز مشروعه الفني بنزوع تأملي يُلامس البعد الصوفي، حيث تتحوّل أعماله إلى فضاءات تواصل بين الحسي والروحي، وبين الفردي والجماعي. ومن خلال توظيف الخط المغربي، والزخارف الإسلامية المستوحاة من الجليز التونسي، يشتغل العيساوي على إنتاج خطاب بصري معاصر، ينفتح على قضايا الهوية والانتماء، ويعيد صياغة العلاقة بين التراث وسياقات التعبير الراهنة. من هذا المنطلق، تمثّل تجربة العيساوي حقلًا غنيا للتحليل الجمالي والسيميائي، إذ تتقاطع فيها الطاقات التشكيلية مع الأبعاد الثقافية، ويُعاد فيها تشكيل الذاكرة من خلال أطر فنية حداثية تُقاوم الاستنساخ وتحتفي بالتحوّل والاختلاف.

تُشكّل العلامة في التجربة التشكيلية للفنان “توفيق عيساوي” بنية مركزية ضمن مشروعه الخزفي، بما هي أداة تعبيرية متعددة الوظائف تنفتح على أبعاد جمالية، أنثروبولوجية، وسيميائية. إذ لا يتعامل الفنان مع العلامة كمجرد عنصر زخرفي يسكن سطح الأثر الفني ويستنفد وظيفته في تحقيق التوازن الشكلي، بل يُفعّلها باعتبارها وسيطًا حاملاً لذاكرة بصرية وجماعية متجذّرة في التراث الثقافي المحلي، ومشحونة بإمكانات دلالية قابلة للتفكيك والتأويل. في هذا السياق، تستبطن العلامة لدى العيساوي تقاطعات متعددة: فهي من جهة، تعيد استحضار الرموز التقليدية – سواء كانت زخارف، حروف، نقوش، أو أشكالًا أيقونية – وتُعيد صياغتها ضمن رؤية تشكيلية معاصرة تنأى عن التكرار الفلكلوري أو النسخ الحرفي. ومن جهة أخرى، تُوظّف العلامة كجسر تعبيري يربط بين إيقاع الشكل وانفتاح المعنى، بين البعد التزويقي الذي يضبط البناء الإيقاعي للعمل، والبعد الإيحائي الذي يفتح أفق التلقي على قراءات متعددة، تجعل من الأثر الخزفي نصًّا بصريا حواريا متعدّد الطبقات.

تكتسب هذه المقاربة التشكيلية فرادتها من كونها تؤسس لفضاء بصري متحرّك، تتفاعل فيه العلامة مع مفاهيم الهوية والآخر، الذات والذاكرة، …. فالفنان لا يستعيد الرموز التراثية بوصفها معطًى نهائيا، بل كمنظومة من الدلالات التي تُستثمر لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول الانتماء والتحوّل والتجذّر في زمن العولمة. ومن هنا، تتحوّل العلامة إلى أثر حيوي، يتجاوز حدود التزويق إلى أفق النقد والتأويل، ليُنتج شكلاً خزفيا معاصرا يجمع بين جمالية الصنعة وعمق الرؤية.

يشكّل اللون في التجربة التشكيلية لتوفيق العيساوي محورا دلاليا مركزيا، لا بوصفه أداة تزويقية تُعنى بإشباع العين جمالياً، بل كأفق تعبيري يتجاوز الوظيفة الجمالية نحو توليد طبقات من المعنى المشحون بالرمزية والإيحاء الروحي. إنّ اعتماد الفنان على ألوان الأكريليك، في درجاتها المشبعة والمدروسة،(كما يبينه العمل المرفق في الأسفل والذي يحمل عنوان سحر الخزف) يكشف عن وعي لوني يقترن برؤية تأملية، حيث لا يُنظر إلى اللون باعتباره مجرد اختيار تقني، بل ككيان بصري قادر على إثارة الانفعال وبناء العلاقة الحميمة بين العمل والمتلقي. فالأحمر القرمزي، بما يحمله من شحنات عاطفية ودلالات طقسية، يخلق نوعا من التوتر الحيوي داخل سطح العمل، بينما يعمل الأصفر المذهّب على بثّ إشراقات نورانية تحيل إلى أبعاد رمزية تتقاطع مع المخيال الصوفي والروحاني. أما الأسود، فلا يُقحم كمجرد تضاد بصري، بل يُوظّف بوصفه عنصرا كثيفًا يشحن العمل بالسكينة، ويؤسس لنوع من الفراغ التأملي، في حين يمنح الأخضر الزيتوني الأثر الفني بُعدا أرضيا، يربط الرؤية بالتجذر الثقافي والبيئي.

عمل عدد1بعنوان سحر الخزف قياس 30 صم/ 15 صم

في هذا السياق، يشتغل اللون عند العيساوي كعلامة سيميائية ، لا تُقرأ في معزل عن السياق الرمزي العام للعمل. إذ تتحوّل العلاقات اللونية إلى شبكة من الرموز التي تتداخل مع العلامات التراثية (الحرف، الزخرفة، الشكل)، لتنتج نصا بصريا مفتوحا على التأويل، حيث يُعاد تشكيل الموروث خارج ثباته التاريخي، ويُعاد إنتاجه ضمن بناء بصري معاصر يحمل نَفَسا وجوديا وروحيا في آن. كما يُلاحظ في هذه التجربة نزوع نحو الصوفية البصرية ، حيث تصبح اللوحة أو المجسم الخزفي مجالًا لتجليات الذات في بحثها عن المعنى، وعن التوازن بين الجسد والمطلق، بين الأرضي والعلوي.

إنّ اللون هنا ليس فقط صدى للذاكرة البصرية، بل طيفٌ للتجربة الوجودية والباطنية، يُجسّد علاقة الفنان بالزمن والمقدّس والهوية، بعيدا عن الخطاب المباشر. وهكذا، يغدو اللون في أعمال “توفيق العيساوي” بمثابة نص رمزي، يتوسط بين الحس والفكرة، بين اللمسة اليدوية والرؤية الفلسفية، مؤسسا بذلك خطابا بصريا يُفعّل المخزون الثقافي في ضوء التجريب المعاصر، ويُعيد رسم معالم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الجمال والمعنى، وبين التراث والتحّل.

كما يمثل البعد الصوفي أحد المسارات التعبيرية الخفية التي تتغلغل في بنية العمل الخزفي المعاصر، لا باعتباره توجها مباشرا نحو المعتقد، بل بوصفه رؤية جمالية وروحية تُعيد التفكير في العلاقة بين المادة والروح، بين المرئي واللامرئي. ويتجلّى هذا البعد في أعمال عدد من الفنانين الذين سعوا إلى تجاوز الطابع الوظيفي أو الزخرفي المحض للخزف، ليجعلوا منه وسيطًا تأمليا،. وتوفيق العيساوي، مثال بارز على هذا التوجّه، حيث يتحول السطح الخزفي في منجزه الفني إلى فضاء يحمل عبقًا روحانيا وتوترا وجوديا، ينهل من الحس الصوفي في تمثّله للعالم ( وهو ما نراه في عمليه المرفقان تحت بعنوان  الأول تجليات خطية والثاني بعنوان أمي في سطور) فالعيساوي لا يتعامل مع الخزف كمادة صمّاء، بل كمجال طقسي حي، يحمِل أثر الذاكرة ومخيال الذات، ويتجلّى فيه التصوف لا كخطاب لفظي، بل كلغة بصرية تتسلل عبر اللون، الإيقاع، والتكرار الرمزي

عمل عدد 2 بعنوان تجليات خطية مقاس 70صم/50 صم

عمل عدد3 بعنوان أمي في سطور مقياس 160صم/120 صم

تسكن أعماله كثافة لونية يتوسّطها التأمل، فتُصبح الألوان المشبعة (الأحمر القرمزي، الأصفر الذهبي، الأسود، الأخضر الزيتوني، البنفسجي والرمادي ) تجلياتٍ لحالات نفسية وروحية، لا مجرد اختيارات جمالية. أما الرموز والخطوط المستلهمة من التراث الإسلامي والمغاربي، فهي ليست إعادة إنتاج للزخارف، بل علامات في فضاء بصري تتقاطع فيه الذات مع المُطلق، وتشتغل فيه المادة كصدى للروح. يُعبّر هذا النزوع نحو الصوفية البصرية عن حاجة فنية للتماهي مع العمق الوجودي. فالخزف، هنا، لا يُنتج شكلاً فقط، بل حالة شعورية تضع المتلقي في تماسّ مع البعد غير المرئي للخبرة الجمالية، حيث تتماهى التجربة الحسية مع التجلي الروحي.

يمثل الخط العربي، في تجربة العيساوي أكثر من مجرد نظام كتابي أو وسيلة توصيل لغوي إنه جسد بصري ينبض بالطاقة الحركية والشحنات الرمزية، ويتحوّل إلى عنصر تشكيلي فاعل يشتغل ضمن نسق جمالي دقيق. لقد تجاوز الفنانون المعاصرون الرؤية التقليدية للخط العربي بوصفه أداة تزيينية، ليعيدوا إدماجه في نسيج العمل الفني كمكوّن بصري ديناميكي، يخلخل الحدود بين الدال والمدلول، ويعيد تشكيل العلاقة بين النص والصورة، بين العلامة والفراغ.

وئام البوليفي            

أستاذة مساعدة فنون تشكيلية    

المعهد العالي للفنون الجميلة تونس