مثّلت العلامة في التجربة التشكيلية للمزخرف توفيق عيساوي أحد أهم المفاتيح البصرية التي تتيح قراءة أعماله على مستويات جمالية ودلالية متداخلة. فهي ليست مجرد عنصر زخرفي أو تزويقي يستحضر لتزيين السطح، بل يستعيدها بوصفها حاملة لذاكرة بصرية وثقافية، تحيل إلى ثقافة تراثية، أو بما يعيد بناء المعنى. ويوظّف الفنان العلامات التّراثيّة على الاجسام الخزفيّة بوصفها جسرا واصلا بين البعد التزويقي الذي يمنح العمل توازنه الإيقاعي والبصري الدّاخلي القائم على المعاودة والتّكرار، وبين البعد الإيحائي الذي يفتح أفق التأويل، حيث تتحوّل العلامة إلى أثرٍ بصري مشحون بالإيحاء بما يعيّر عن الذات والاخر في آن. فتغدو العلامات ضربا من ضروب أعماله التفاعل الزمني بين الماضي والحاضر حيث يحاور اللون والحرف والزخرفة.

وظف المزخرف توفيق العيساوي ألوان الأكريليك وباحثا عن توازن بصري بين الأحمر القرمزي والأصفر المذهّب، والأسود، والأخضر الزيتوني، ما يمنح السطح كثافة حسية وعبقا روحيا. ولم يكن اللّون مجرّد عنصر زخرفي، بل كان بمثابة خطاب بصري يعبّر فيه الفنّان عن حالة تأملية ونفس صوفي يتسرّب من خلف البناء البصري للأشكال والاستعارات التّراثيّة المفرغة من عمقها التاريخي لتصبح جزءا من البناء التّشكيلي.

حوّل العيساوي الأشكال الخزفيّة إلى ذاكرة حية تستعيد لحظة التقاء وفضاء للحوار بين الأزمنة والامكنة المختلفة بما يعيد تشكيل العلاقة بين جملة العناصر البصريّة الّتي تؤثث السّطح البصري للخامات ويجعل مساحاته مكامن ابداعيّة متداخلة يتكاتف فيها الحرف مع الفراغ، ويتخاصر فيها البناء مع العمق ضمن سياقات التواصل بين التّاريخي والجمالي.

يتحوّل السطح الخزفي عند العيساوي إلى مجال روحاني، يحمل أثر الذاكرة البصرية ويعيد إحياءها من خلال فعل تأملي ينبع من الحسّ الصوفي، وتتكاثف من تحت وعي عميق بأن المادة ليست نقيض الروح بل هي امتدادها المرئي. ويستند الفنان التشكيلي توفيق العيساوي إلى الخط المغربي بوصفه هويّة ثقافيّة مشحونة بطاقة ابداعيّة، لا بوصفه نظاما كتابيا مقيدا بالمعنى فحسب ، بل بوصفه حركة جماليّة تعيد تشكيل الفراغ بما يجعل من الكلمات والاحرف إشارات بصريّة يتكاتف فيها الجهد الابداعي مع الزخارف العربية والإسلامية المستوحاة من الجليز التونسي بعمقه الأندلسي متمثلة في عفسة الصيد والنوارة والمعدنوسي. فتتكامل المساحات اللونيّة مع الفراغ، والكتابة مع الزخارف العربيّة الاسلاميّة.
محمد المبروك عمراني
أستاذ مساعد فنون تشكيلية
المعهد العالي للفنون والحرف بقابس















