full screen background image
   الثلاثاء 23 يوليو 2024
ر

هوامش حول إيقاف راشد الغنوشي..


بقلم: خالد كرونة / كاتب من تونس

انتثر خبر إيقاف رئيس حزب حركة النهضة انتثار حبّات كسكس ليلة القدر ساعة الإفطار، ونزل يطوف صفحات التواصل قبل أن يصدر بأخرة إيضاح على صفحة وكالة تونس للأنباء من مسؤول بوزارة الداخليّة مفاده أنّ مذكرة إيقاف صدرت عن النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب. وأضاف ذات المصدر، أنّ مسكن “الخريجي” تمّ تفتيشه وأن محجوزات قد تفيد الأبحاث تمّ وضع اليد عليها.

أهمّ ما في التصريح بيان السبب، وهو وفق المصدر الرسميّ “تصريحات تحريضية” أدلى بها.. سارعت حركة النهضة تصدر بيانا على عجل، وعقدت ندوة صحفية أمام ميكروفونات قليلة للمطالبة بإطلاق الزعيم فورا، وللتنديد بما سمته (على عادتها) اقتياده إلى جهة غير معلومة (والجميع سواهم يعلم طبعا). محاميه “الأستاذ الجماعي” في أوّل تصريح له، أعلن هو الآخر أنه لا يعلم سبب الإيقاف.

قبل يوم، خلال المسامرة رمضانية رقم 20 بمقر جبهة الخلاص، حيث الاعتصام، كان السيد الغنوشي محاطا بثلة من قياداتها ” بمناسبة مرور عام على تأسيسها.. مسامرة أزعم أنها تفسر ما جرى وما سيجري أيضا (وهي متاحة على صفحة جبهة الخلاص).. عُقدت المسامرة بعد أن استنزفت التحركات الميدانية الوطنية (عددها 20) كادر الجبهة  وجمهورها المكون رئيسيا من النهضة و6 “أحزاب” وبعض المنظمات والأفراد. في المسامرة حاضر “محمد القوماني” وقد جلس بين الشابي والغنوشي. خلاصة ما انتهى إليه هامة جدّا.. قال بالحرف: ” الجبهة لن تشكل حكومة ولن تقدر على تنظيم حوار، ولن يكون بمقدورها تفعيل قرارات اجتماع البرلمان السابق بعد التجميد (30 مارس 2021) وأضاف: برنامجها caduc بعبارة عرفات.. بل إنه قال على مسامعهم جميعا: فعلا لا رجوع إلى الوراء. وكان لافتا أنه دعا إلى الاستعداد للرئاسيات القادمة بالعثور على مرشح يحظى بالإجماع ويقدر على الانتصار على سعيّد!

بصرف النظر عن تفاعلات الحاضرين ومنهم “العجمي الوريمي” و”نجيب الشابي” وسواهما من الرجال ومن النساء، كان للغنوشي تفاعل أخذه إلى الإيقاف لأنه فيما نقدّر ذهل عن رسالة الجاحظ “في المفاضلة بين الصمت والكلام” مثلما نسي عند دخوله أنّ نجيب الشابي وقف لمصافحته فاضطر النجيب لإعادة الكرّة..

كلمة الغنوشي رغم ديبلوماسيتها تجاه واقعية “القوماني” الصفيقة (في نظره) خالفته في النقطة الأهم وهي الدعوة إلى التخلي عن “المعجم الحربي” وعن مقولة “المقاومة”.. كانت كلمة الغنوشي خلافا لكلّ ما نطق به خلال الأشهر الماضية خلوا من إيتيقا الرصانة التي دأب على اصطناعها. بدا الرجل متوترا، مشككا في انتخابات رئاسية في موعدها، واعتبرها “وهما” وأعلن خلافا لنعومته المألوفة أنّ سعيّد في ذات البوتقة مع القنزوعي والسرياطي وبن علي.. وتبعا لذلك، فهو رأس الثورة المضادة (لأن الثورة يمثلها هو وأعضاده).. وبما أنه أدرك صواب ما ذكره القوماني من أن الجبهة استوفت في صيغتها الحالية مداها، وأنها فقدت وهجها، لاح الغنوشي في أضعف حالاته “القيادية” يشعر أنه “أحيط بثمره فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية “.. كان فعلا يقلّب كفّيه الذيْن دأب على إخفاء ارتعاشهما وخرج عن مقتضيات موقعه وعن “لباقة الزعيم” فأعلن أنّ إقصاء الإسلام السياسي (رغم أنه كان من قبل لا يحبذ هذا المصطلح) والنهضة أو اليسار يقود إلى حرب أهلية ..

ليس ينخدع الحصيف وهو يسمعه يدس لفظ اليسار في الخطاب لأنه مجرد “تمويه” حربيّ. فاليسار ــ يا للعار ـ لا يقدر على مناوشات فما بالك بالحروب! الرسالة سياسية بين سطور مقاله جلية لمن شاء أن يتلقفها.. هي شفرة (code) لما سمي قبلا “إطلاق المبادرة” بعد أن فشلت حلول الداخل، واستعصى مَدَدُ الخارج.. لذلك كان الغنوشي حادّا وجادّا فأفتى بأنّ كلّ من أيّد 25 جويلية استئصالي وإرهابي أيضا.

من الواضح طبعا أن خلافه مع “قيس” كما يسميه (على نحو من الازدراء المتعمّد) لا صلة له لا بقوت الناس ولا بمستقبل الزراعة ولا بالعجز الطاقي.. مدار المعركة هو السلطة ولا شيء غيرها. ببساطة هو خطاب إعلان ما سمّاه “ثورة حقيقية” على جبهته قيادتُها، ترجمتها السياسية الوحيدة إعلان السير نحو الأقصى الذي لا يكون بغير أساليب غير تقليدية لا يكاد يضمرها الخطاب، وليس يخفى ما يعنيه تكرار مفردة “حرب” في خطابه إلى حدّ أنك قد تراها كلمة سرّ يذيعها في انتظار التنفيذ..

هل تعمّد الغنوشي ــ كما يظن البعض ـ الدفع إلى إيقافه للاستثمار أمام حائط مبكى المظلومية؟  لا أعتقد ذلك.. الحقيقة أنّ الغنوشي كان “مطمئنا” رغم جولات التحقيق المتكررة أنه يعود إلى بيته بسلام، وربما اعتلى سيارته المكشوفة أيضا لإلقاء التحية على بضع عشرات من المريدين مردّ طمأنينته وفق ما تهمس الألسن، غطاء سياسيّ توفره قوى إقليمية تطلب من سعيّد ألاّ يدفع بالأمور معه حتّى أقصاها..

تصريحات الغنوشي التي نسيت فضائل الصمت (الجاحظية) وفرت بما انطوت عليه من دعوة إلى رجم “الانقلاب” بالأحجار، وربما استدعاء طير أبابيل في مواجهة صاحب الفيل، خلصت دولة سعيّد من حرجها إزاء “الشفعاء” وحررت يدها لتدفع بالغنوشي أمام القضاء بتهم قد تكون ثقيلة بحسب التكييف القانوني الذي سنعلم خلال أيام.

ولأنني لا أطمئن كثيرا إلى حديث المصادفات، فلك أن تفكّر قليلا بالتزامن “البريء” بين حلول طائرة المقداد وبين حدث الاقتياد.. فكّر أيضا بدواعي “طول” زيارة وزير الخارجية السوري (تستمر من 17 إلى 19) رغم أن ظاهر جدول الأعمال محوُ سنوات الجفوة وترطيب الأجواء الثنائية.. هذا لا يحتاج غير سويعات قليلة في العرف الديبلوماسي..  هل كان الغنوشي هدية دولة سعيّد إلى رأس الخارجية السوريّة؟ هل هو أيضا حجر آخر في معمار العلاقات التونسية ـ المصرية؟

الأيام حبلى بالجديد.. ولكنّ الأكيد أن صفحة الغنوشي الذي لم يتهيّأ أبدا لقائد سياسيّ تونسي أن يُبغض شعبيا مثله قد طويت.. ولأننا نفترض أنه سيلتحق بنائبيه في الإيداع بعد استكمال التحقيق، لا يبقى غير أن نكون على ما دأبنا عليه، من دعاة المحاكمات العادلة وفق أدقّ المعايير لأنّ ذلك لا يخدمه هو فقط، بل يخدم صورة الدولة أيضا..