full screen background image
   الأحد 29 مارس 2026
ر

خلف الجدران المغلقة: الجهد الذي لا يُرى ويثقل حياة النساء التونسيات

بقلم: ياسمين بوذينة

تستيقظ خديجة، ربة بيت تونسية في أواخر الثلاثينات من عمرها وأم لثلاثة أطفال يوميًا قبل شروق الشمس. لا تذهب إلى عمل “رسمي”، لكنها تدير حياة كاملة داخل المنزل: إعداد الطعام، تنظيف البيت، رعاية الأطفال واثنين من المسنين ومتابعة أدق تفاصيل الحياة اليومية. ساعات طويلة من العمل المستمر دون أجر ودون اعتراف تجعل جهودها غير مرئية رغم أنها تشكل العمود الفقري لاستقرار الأسرة والمجتمع.

خديجة ليست حالة استثنائية، بل تمثل آلاف النساء التونسيات اللاتي يحملن هذا العبء يوميًا في ظل نظرة اجتماعية تعتبر هذا العمل “واجبًا طبيعيًا” لا يستحق النقاش أو التقدير، غير أن ما يبدو “طبيعيًا” يخفي في الواقع اختلالًا عميقًا في توزيع الأدوار وانعكاسات مباشرة على المساواة والمشاركة الاقتصادية والصحة النفسية

اقتصاد في الظل يكشفه الرقم… عمل بلا أجر

تُظهر تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) حول اقتصاد الرعاية أن النساء يقضين وقتًا في أعمال الرعاية غير المدفوعة يزيد بـ4 إلى 5 مرات مقارنة بالرجال، وهو ما يشمل الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين وإدارة شؤون الأسرة. ورغم أهمية هذا الجهد، فإنه يبقى خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية وكأن اقتصادًا كاملًا يقوم في الظل دون اعتراف

ولا تقتصر هذه المفارقة على تونس. فعالميا، تقضي النساء ما يقارب 16 مليار ساعة يوميا في أعمال الرعاية غير المدفوعة ويقمن بأكثر من 75% منها بقيمة تقديرية تتجاوز 10 إلى 13 تريليون دولار سنويًا أي ما يعادل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

أما في تونس، فتشير بيانات البنك الدولي ضمن بوابة بيانات النوع الاجتماعي (2024–2025) إلى أن النساء يقضين أكثر من خمس ساعات يوميا في العمل المنزلي مقابل أقل من ساعة واحدة للرجال في حين لا تتجاوز نسبة مشاركتهن في سوق الشغل 26–27% مقابل أكثر من 65% للرجال. كل هذه الأرقام لا تعكس مجرد تفاوت في الوقت بل تكشف نظاما غير متوازن يقوم على توزيع غير عادل للفرص

كما تؤكد دراسة بعنوان “تشغيل الشابات في تونس تحت وطأة التمييز القائم على النوع الاجتماعي” المنشورة في مجلة القانون المقارن للعمل والضمان الاجتماعي (2024) أن الأعباء المنزلية غير المدفوعة تُعد من أبرز العوامل التي تعيق إدماج النساء، خاصة الشابات في سوق العمل وتحدّ من استقلاليتهن الاقتصادية

من العبء اليومي إلى الهشاشة الاجتماعية

هذا الواقع لا يُقاس بالأرقام فقط بل يظهر بوضوح في شهادات النساء، تقول لطيفة وهي أم لثلاثة أطفال: “نفيق من الصباح حتى الليل وأنا نخدم في الدار… حسيت روحي محاصورة وكأنو تعبي الكل عادي وبلا قيمة.” هذا وتضيف فاطمة: “يقولولي مرتاحة في الدار… أما التعب اللي نحس بيه ما يحس به حد.” أما خديجة، فتكشف جانبًا آخر من القيود: “ما نجمتش نكمل قرايتي… في نظرهم دوري الوحيد هو خدمة الدار بالصغار والكبار.” هذه الشهادات تعكس واقعًا تُختزل فيه أدوار النساء داخل الأسرة حتى عندما يمتلكن الرغبة في العمل أو التعلم.

توضح الباحثة في علم الاجتماع نسرين العميري أن العمل غير المدفوع داخل الأسرة ليس مجرد مهمة يومية بل هو بنية اجتماعية تعكس عدم المساواة وتعيد إنتاجها. ويتقاطع هذا الطرح مع تقرير “كابير: نضال النساء من أجل الحق في الأرض والميراث في تونس” (2021) الذي يبرز كيف تتداخل الأدوار التقليدية مع الإقصاء الاقتصادي والقانوني للنساء خاصة في ما يتعلق بالملكية والموارد

وتلتقي هذه القراءة مع ما تشير إليه الباحثة في علم الاجتماع يسرى سكوحي، التي تعتبر أن “العمل المنزلي غير المدفوع ليس فقط مسألة وقت أو جهد بل هو تعبير عن نظام اجتماعي يضع النساء في موقع الخدمة داخل الأسرة” مضيفة أن هذا الواقع “لا يُقصي النساء من سوق العمل فحسب بل يعيد تشكيل طموحاتهن وخياراتهن منذ سن مبكرة بما يجعل عدم المساواة أمرًا يبدو وكأنه طبيعي”.

ولا يتوقف تأثير هذا العبء عند الإرهاق الجسدي والنفسي، بل يمتد إلى توترات داخل الأسرة، فالتبعية الاقتصادية الناتجة عن غياب دخل خاص تضع العديد من النساء في موقع هش داخل العلاقات الأسرية فوفق المعهد الوطني للإحصاء (2022 – نتائج منشورة 2024)، تعرّضت 42.7% من النساء في تونس للعنف من قبل الشريك فيما اختبرت 84.7% منهن أحد أشكال العنف منذ سن الخامسة عشرة

وفي هذا السياق، يوضح القاضي عمر الوسلاتي أن الإشكال لا يقتصر على الجانب الاجتماعي فقط بل يمتد إلى المنظومة القانونية، حيث لا يتم الاعتراف بالعمل المنزلي غير المدفوع كقيمة اقتصادية فعلية وهو ما ينعكس خاصة في حالات النزاع أو الطلاق إذ لا يُحتسب هذا الجهد ضمن المساهمة المادية   داخل الأسرة مما يكرّس شكلًا من أشكال اللامساواة غير المرئية

من جهتها، تعتبر الباحثة في علم الاجتماع نسرين العميري أن هذا النوع من العمل “ليس مجرد دور تقليدي، بل هو آلية اجتماعية لإعادة إنتاج الفوارق بين النساء والرجال”مشيرة إلى أن تحميل النساء العبء الأكبر من أعمال الرعاية يحدّ من فرصهن في التعليم والعمل ويُبقيهن في دائرة التبعية الاقتصادية

كما تؤكد الخطة الاستراتيجية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في تونس (2022-2025)

أن غياب الاستقلالية الاقتصادية وتقاسم الأدوار داخل الأسرة يساهم في تعميق هشاشة النساء

في النهاية، لا تدفع النساء وحدهن ثمن هذا الواقع بل يدفعه الاقتصاد أيضًا في شكل طاقات معطلة وتدفعه الدولة في ضعف مشاركة نصف المجتمع في الإنتاج. ورغم أن التغيير يتطلب سياسات واضحة مثل دعم خدمات رعاية الأطفال وتوسيع إجازات الأبوة وتشجيع تقاسم الأدوار فإن الخطوة الأولى تبقى الاعتراف بأن هذا العمل هو عمل حقيقي له قيمة وله كلفة.فالعدالة لا تُقاس فقط بالقوانين أو نسب التشغيل بل أيضًا بكيفية توزيع الحياة نفسها داخل الأسرة: من يطبخ من يرعى من يسهر ومن يدفع ثمن ذلك من صحته ووقته وفرصه وعندما يختلّ هذا التوازن لا يبقى الأمر شأنًا خاصًا بل يتحوّل إلى مسألة تمسّ تماسك المجتمع ككل

لكن الاعتراف لا يبدأ دائمًا بقرار سياسي… أحيانًا يبدأ بإيماءة بسيطة بكلمة “شكرًا” بنظرة تقدير بإحساس صادق بأن هذا الجهد مرئي وله معنى ذلك الامتنان رغم بساطته قادر على أن يخفّف عبئًا كاملًا ويعيد للإنسان شعوره بالقيمة

ورغم ذلك، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالاعتراف الرمزي أو تأجيل هذا النقاش إنصاف النساء يمرّ حتمًا عبر طرح هذا الملف كقضية اجتماعية واقتصادية حقيقية تستحق السياسات والقرارات لا الصمت والتطبيع

لأن ما لا يُرى… لا يُحسب وما لا يُحسب… لا يُنصف والعدالة الاجتماعية لا تُبنى بنصف الحقيقة بل تبدأ حين نعترف ونطرح ونُعيد التوازن… من داخل البيت إلى قلب المجتمع.