مقال بقلم:
ياسمين بوذينة
تُعرّف الوساطة كآلية بديلة لحلّ النزاعات تقوم على تدخل طرف ثالث محايد يُعرف بالوسيط يساعد الأطراف على الوصول إلى حلّ توافقي دون اللجوء إلى القضاء. وتُقدَّم هذه الآلية اليوم كحل عملي لتسريع الفصل في القضايا وتخفيف الضغط على المحاكم في إطار ما يُعرف بالوسائل البديلة لحل النزاعات التي انتشرت خاصة في تجارب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
غير أنّ الوساطة، رغم حداثة تأطيرها القانوني ليست مفهوما جديدا فقد عرفت المجتمعات بما في ذلك المجتمع التونسي أشكالًا تقليدية من فضّ النزاعات خارج القضاء كانت تقوم على تدخل الأعيان أو كبار العائلات بهدف تحقيق الصلح والحفاظ على التوازن الاجتماعي ومع نشوء الدولة الحديثة تراجع هذا الدور لصالح قضاء مؤسساتي يحتكر وظيفة الفصل في النزاعات قبل أن تعود الوساطة اليوم في صيغة جديدة أكثر تنظيمًا ولكن أيضًا محمّلة بأسئلة عميقة حول موقعها داخل منظومة العدالة.
غير أنّ عودة الوساطة في هذا السياق الجديد لا تبدو مجرّد استعادة لآلية تقليدية في حلّ النزاعات، بل تندرج ضمن تحوّلات أوسع تمسّ دور الدولة نفسها في إدارة العدالة. فبعيدًا عن الخطاب الذي يقدّمها كحلّ تقني لتسريع الفصل في القضايا يبرز اليوم سؤال أكثر عمقًا في السياق التونسي: هل تمثّل الوساطة إعادة توازن داخل منظومة العدالة أم بداية انتقال تدريجي نحو نقل جزء من وظائفها خارج القضاء؟

الأستاذ محمد ناشي: أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل تزايد الدعوات إلى تعميم الوسائل البديلة لحل النزاعات، ليس فقط لتحسين النجاعة بل أيضًا لتخفيف الضغط على المحاكم. غير أن هذا التوجه يفتح الباب أمام نقاش حول حدود هذا التحول وطبيعته وانعكاساته على مبدأ المساواة أمام العدالة.
في هذا السياق، يقدّم الأستاذ محمد ناشي، أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، قراءة تعتبر أن توسع الوساطة يعكس تحوّلًا في دور الدولة نفسها ويشير إلى أن “الوساطة ليست فقط أداة لحل النزاعات بل هي مؤشر على إعادة توزيع وظائف كانت تقليديًا من صميم الدولة القضائية”. ويضيف أن هذا التحول قد يُفهم كجزء من انتقال أوسع نحو أشكال من “تنظيم النزاع خارج المؤسسة القضائية” وهو ما يطرح بحسبه، سؤالًا حول من يمتلك اليوم سلطة إنتاج الحلول والقرارات. من جهة أخرى،

الأستاذة سعاد باباي-يوسف، أستاذة القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس
ترى الأستاذة سعاد باباي-يوسف، أستاذة القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس – جامعة المنار أن هذا التحول يجب التعامل معه بحذر. وتؤكد أن الوساطة رغم أهميتها لا يمكن أن تُترك دون إطار قانوني صارم، لأن “نقل جزء من معالجة النزاعات خارج القضاء يفرض مضاعفة الضمانات، لا تقليصها”. وتشدد على أن أي توسع في الوساطة يجب أن يكون مرفوقًا بآليات رقابة واضحة تضمن عدم المساس بحقوق الأطراف خاصة في الحالات التي يكون فيها أحدهم في وضعية ضعف.

الباحث جاك فاجي: المتخصص في علم الاجتماع القانوني
وفي مستوى آخر من النقاش، يلفت الباحث جاك فاجي، المتخصص في علم الاجتماع القانوني، إلى أن الوساطة قد تتحول، دون وعي بذلك، إلى أداة لإعادة تشكيل العدالة وفق منطق السوق. ويصرّح أن “الخطر ليس في وجود الوساطة، بل في تحولها إلى خدمة تُدار بمنطق الكلفة والسرعة، بدل منطق العدالة”. ويضيف أن هذا التحول قد يؤدي إلى بروز شكل من “العدالة حسب القدرة”، حيث يستفيد الأطراف الأكثر تنظيمًا ومعرفة من مرونة الوساطة، في حين يجد الآخرون أنفسهم أمام مسار تفاوضي غير متكافئ.
هذا الطرح يعيد النقاش إلى مسألة جوهرية: هل الوساطة تعزز المساواة أم تعيد إنتاج الفوارق؟ فبينما تتيح هذه الآلية حلولًا سريعة ومرنة، فإنها قد تُضعف في بعض الحالات الحماية التي يوفرها الإطار القضائي، خاصة إذا لم تكن مرفوقة بضمانات كافية.
ورغم هذه التحفظات، لا ينفي المتدخلون أن الوساطة تحمل إمكانات حقيقية لتطوير منظومة العدالة في تونس. لكنها، بحسبهم، تظل أداة مزدوجة: يمكن أن تساهم في تحسين الوصول إلى العدالة، كما يمكن أن تعيد تشكيلها بطريقة غير متوازنة.
في النهاية، يبدو أن النقاش حول الوساطة لم يعد يتعلق فقط بفعاليتها، بل بطبيعة المشروع الذي تعكسه: هل نحن بصدد بناء عدالة أكثر مرونة وقربًا من الأفراد، أم بصدد تفكيك تدريجي لدور القضاء لصالح آليات تفاوضية غير متكافئة؟ بين هذين الاحتمالين، تتحدد ملامح مستقبل العدالة في تونس.















