full screen background image
   الثلاثاء 23 يوليو 2024
ر

إصدارات: رواية “حامل التابوت” لمحمّد بليغ التّركي.. قبضة من نوره

بعد رواية “الهجرة إلى معبد الغرباء” يظهر “حامل التّابوت”، رواية محمّد بليغ التّركي الأخيرة الصادرة عن دار سارّة للنشر. كتب عنها الباحث في التصوّف الأستاذ محمّد الوليد حشيشة الذي شرح هذا الكتاب في نص عنوانه “حامل التابوت…قبضة من نوره“:

في رواية الكاتب محمّد بليغ التركي أبعاد صوفية من خلال تفننه في لغة الإشارة والرمز ويمكن أن أختصر كتابه الجليل حول محاور ثلاث، مقامات الترقي بالنسبة للمريد السالك أوّلها صقل النفس ثم القلب ثم جمع القلب مع الرّوح، ثانيا صفات المرشد العارف بالله الجامع بين الشريعة والحقيقة ( مقام الإحسان )، ثالثا الحقيقة المطلقة أو المعرفة التي يتوصل إليها المريد وهي المشاهدة والإيقان…

وموضوع هذه الرّواية أنّ حامل التابوت وجد نفسه في مكان اسمه جنّة الشيطان وكان هروبه منها تيه مداره يدور حول إثبات ونفي  الأنا. والسؤال المحوري منذ العنوان من هو الحامل ومن هو المحمول؟ خلافا لما فهمه بعض قرّاء الرّواية أنّ التابوت هو النعش الذي يحمل عليه الميت وهناك من فهم التابوت هو العهد القديم الذي أخذه منّا الله في عالم الأرواح، وغير بعيد عن  هذا المفهوم هناك من فهم  أنّ التابوت هو الصندوق الحامل للوصايا العشر لبني إسرائيل، فحامل التابوت عند أهل الذوق الصوفية هو القلب، مركز تجلّي الله والتابوت هو العهد القديم والسر الالهي…

***

منذ الفصل الأوّل تأسرك لغة الإشارات فيشير الكاتب إلى قصّة إبليس مع الإنسان والغيرة وحيازة الحب الإلهي، فشخصية “تاجر الأحلام” في الرواية هي إشارة إلى إبليس، هو صديق قديم لحامل التابوت، يظهر له في أحلك ما يعيشه ، في المرض والتيه والنسيان، وحتّى في العبادة، ويزيّن له الدنيا ويعرض عليه ما أبدع في تزييفه في ما سمّاه الكاتب في الفصل 1 “جنّة الشيطان”، بيوتها كما وصفها المؤلّف في الفصل 5 من زجاج ليرى المارّة حياة ساكنيها المشاركين في مسابقة العار أو صارت كما تحدّث عنها في الفصل 4 اصطبلات لبيع اللحم الفاسد رُبطت أمامها حيوانات أصيلة لخداع الحرفاء. يقول القرين لحامل التابوت حين وجد نفسه في حفل تقسيم الغنائم في قصر الشيطان في الفصل 7 :” أترى كلّ هؤلاء المحتفلين، أنا من أُضحكهم وأُبكيهم. وهبتهم كلّ ما يحتاجونه حتّى ظنّوا أنهم صاروا أرباب العالم…إنّي أسمع الصّخر يبكي جثّتك يا مسكين ! يوما ما على عبيدي أن يدفعوا فاتورة هذه التسلية التي أخرجتها لهم.” وفي الفصل 5 حين وجد تاجر الأحلام صديقه القديم ينتظر سيّارة أجرة قال له ساخرا:” كنتَ تلميذا نجيبا، مشروعَ رجل صاحب نفوذ وها أنّي أراك حائرا تقضم أظافرك تنتظر سيّارة أجرة لا تأتي أمّا الناجون أصحابك لا زالوا يحيّونك لأنّكم لعبتم الكرة معا في صغركم…”

يعمد تاجر الأحلام في الفصل11 إلى التنكّر في شخصية رجل الدّين الصّالح الذي يحب البشر، بعد الطوفان الذي ألقى بسكّان جنّة الشيطان في الشوارع الموظفين والمومسات والمساجين والأنذال والسكارى والمحتفلين وعشّاق الموضة وسيّاراتهم الفاخرة وأثاثهم الذي يغيرونه مرّتين كل سنة ومراحيضهم المرصّعة بالذهب، وأيقنوا أنّه لا أحد يقدر أن يرفع عنهم البلاء غير تاجر الأحلام، حين صاحوا في الشوارع “الرّحمة !” خاطبهم تاجر الأحلام قائلا” سنعود معا إلى الجنّة ! رجالي سيعطونكم الطعام والماء الزلال والحلوى واللُعب ليسكتوا أولادكم(…)وليتزوّج ابن الأثرياء من ابنة الفقراء ولا تحتقروا الضعيف !”

في رواية حامل التابوت، تاجر الشيطان هو المحسن الذي كفل من سمّاها الكاتب “خادمة الشيطان” وهي إشارة إلى النفس الأمّارة بالسوء. ويصوّرها الكاتب في الفصل 14 منهكة، تلبس فستان زفاف ممزّق كلّه أدران، تجرّ حاوية قمامة كبيرة، ذليلة كعادتها لسيّدها…

في هذا الكتاب، يلتقي حامل التابوت مع الرّوح. ويذكر الكاتب في الرواية شخصيّة صاحب العمامة الذي ظهر ليرشد حامل التابوت إلى الطريق إلى الله بإحياء روحه الطاهرة المسجونة بالنفس والجوارح بإعطائه أقوى إشارة في الرّواية في الفصل 3 وهو نبع الماء من يده ليصبّه على الفتاة المحتضرة، سرّ وجوده، وهو الماء النّابع من قلوب العارفين المذكور في شعر محيي الدين بن عربي:

توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر … وإلا تيمم بالصعيد، وبالصخر

وقدم إماماً كنت أنت إمامه … وصل صلاة الفجر في أول العصر

فهذى صلاة العارفين بربّهم … فإن كنت منه فانضح البر بالبحر