
بقلم:
ياسمين بوذينة
لم يكن صدور القانون عدد 44 لسنة 2024 المتعلق بعطل الأمومة والأبوة مجرد تنقيح إداري لخطوات تنظيمية داخل المرفقين العام والخاص، بل كان بمثابة إعلان استقلال جديد للأسرة، وانعطافة إنسانية تشريعية أنهت عقوداً من العمل بنصوص مكبلة تعود لستينيات وثمانينيات القرن الماضي كانت تُعامل الأمهات والآباء بآلية إدارية جافة. إن قراءة هذا التشريع بعد عامين من تطبيقه تضعنا أمام استحقاق حقوقي وثقافي تجاوز الأرقام والروزنامات، ليضع الرعاية الأسرية المبكرة في قلب السياسات السيادية للدولة وفي صلب الاستقرار المجتمعي.
نقطة تحول تشريعية: نهاية «الزمن الإداري الضيق»
على امتداد عقود، ظلت الأمهات يخضن معركة صامتة بين واجبات الوظيفة واستحقاقات الرضاعة والرعاية. كانت التشريعات القديمة تفرض على المرأة الشروع في سباق ضد الزمن لطيّ عناء الولادة واستعادة العافية في أسابيع معدودة، مما أدى في حالات كثيرة إلى دفع النساء للتضحية باستقرارهن الوظيفي أو تحمل كلفة صحية ونفسية باهظة، خاصة في ظل مؤشرات سوق الشغل التي تظهر حرج مشاركة المرأة الاقتصادية؛ إذ تبلغ نسبة نشاط النساء في تونس 26.5% فقط مقابل 64.9% للرجال (بحسب تقديرات البنك الدولي).
جاء التشريع لينهي هذا الحيف التاريخي، مكرسا مبدأ اجتماعيا جديدا مفاده: إن الوقت الممنوح للأم والطفل ليس «هتراً للإنتاجية»، بل هو استثمار مباشر في النواة الصلبة للمجتمع وزيادة جاذبية بيئة العمل للنساء.
تقول مريم (32 سنة)، مهندسة بالقطاع العام:”فرق شاسع بين تجربتي في مولودي الأول عام 2021 ومولودي الثاني اليوم. في المرة الأولى، كانت العودة للعمل بعد شهرين كابوساً يطاردني؛ كنت أضطر لترك رضيعي في سن مبكرة جداً وسط شعور عارم بالذنب والإنهاك، مما أثر مباشرة على أدائي الوظيفي وقدرتي على استكمال الرضاعة الطبيعية. أما اليوم، مع إقرار مهلة الأربعة أشهر، تمكنت من التعافي الجسدي الكامل وتأسيس نمو سليم لفلذة كبدي دون ضغط نفسي أو تهديد لاستقراري المهني. شعرت لأول مرة أن التشريع يحميني كمواطنة وكأم ويحترم إنسانيتي، لا ك مجرد رقم في دفتر الحضور والغياب.”
جدول مقارن: التحول الحقوقي بين التشريع السابـق والقانون عدد 44 لسنة 2024

البعد النفسي والصحي: الأمان العاطفي والأثر المباشر
إن القيمة الأبرز لهذا التشريع تتجلى في الأمان النفسي والصحي الذي يمنحه للأم وللمولود في أشد مرحلة حرجة من بداية الحياة؛ إذ يتيح استكمال فترة الرضاعة الطبيعية وتأمين التنشئة الجسدية والعاطفية المتوازنة.
وفي هذا السياق، تؤكد الأخصائية النفسية إيناس بن سليمة:”إن الأشهر الأولى من حياة الطفل تُمثل حجر الزاويه في البناء النفسي والعاطفي للإنسان بأكمله. تمديد عطلة الأمومة ليس رفاهية إدارية، بل هو ضرورة طبية ونفسية تمنح الأم المساحة الزمنية للاستقرار الجسدي والتعافي من آلام الولادة والتغيرات الهرمونية الحادة، وهو ما يقلل بشكل حاسم من معدلات اكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum Depression). من الناحية النمائية، فإن التواجد المستمر والآمن للأم يخلق لدى الرضيع رابطة الارتباط الوثيق (Secure Attachment)؛ هذه الرابطة هي الصمام الذي يحمي الطفل مستقبلاً من اضطرابات القلق والانفصال ويمنحه توازناً سلوكياً يعزز مناعته النفسية طيلة حياته.”
حتى بالنسبة للعاملات لحسابهن الخاص، فإن القيمة الرمزية والقانونية للتشريع أوجدت مرجعية مجتمعية تحمي حقهن في العطلة.
توضح سارة (35 سنة)، مصممة ومديرة مشروع مستقل قائلة “كامرأة تعمل لحسابها الخاص، كان خيار الإنجاب سابقاً يعني المخاطرة المباشرة بالمشروع؛ لم أكن أستطيع أخذ استراحة تتجاوز الأسبوعين خوفاً من فقدان الحرفاء أو توقف السيولة المالية. وجود قانون صريح يعطي الأمهات أربعة أشهر خلق ثقافة عامة جديدة في سوق الشغل وأمام الشركاء والمشغلين تجعل عطلة الأمومة حقاً مقدساً ومحترماً لا دلالاً وظيفياً. هذا الوعي المجتمعي مكنني من تنظيم جدول أعمالي مسبقاً وتفويض بعض المهام لأخذ المهلة الزمنية الكافية للتعافي وتأمين رعاية طفلي دون استنزاف صحتي الجسدية والنفسية.”
تقاسم الأعباء والتحول المجتمعي: بين الأبوة الفاعلة وهُروب الواقع
لم يقف القانون عند حدود دعم الأم، بل خطى خطوة تقدمية نحو إعادة هيكلة الثقافة الاجتماعية عبر التوسع في إجازة الأبوة. هذا التحول يُمثل خطوة صريحة لنقد النظرة النمطية التقليدية التي تحصر دور الأب في التوفير المادي وتجرد وجوده من العاطفة والرعاية المباشرة. ومع ذلك، فإن الامتياز القانوني لا يعني بالضرورة تحولاً سلوكياً آلياً لدى جميع الآباء؛ فالواقع الميداني يظهر تبايناً شاسعاً في كيفية استغلال هذه الإجازة بين الالتزام بالشراكة أو الهرب من المسؤولية.
على جانب الشراكة الكاملة، يقول أحمد (36 سنة)، موظف بالقطاع الخاص:”أن تكون حاضراً في الأيام الأولى لمولودك ليس مجرد إعانة مؤقتة للزوجة، بل هو تحول إنساني يغير معنى الأسرة في ذهن الرجل. تمكني من أخذ إجازة الأبوة سمح لي بمشاركة التفاصيل الصغيرة اليومية: السهر، الرعاية، وتخفيف الضغط العارم عن زوجتي في مرحلة تعافيها. لم أعد أرى نفسي ‘معيلاً ماليّاً’ يقف خارج الغرفة، بل أحسست لأول مرة بمعنى الشراكة الحقيقية في تأسيس الحياة.”
لكن هذا النموذج الإيجابي يصطدم بواقع آخر تحكمه العقليات والتهرب الأسري. فتحكي عائشة (30 سنة) تجربتها القاسية عقب إنجابها لتوأم:
“كنت في أشد الحاجة للدعم بعد ولادة قيصرية وتوأم يحتاجان رعاية مضاعفة، لكن زوجي استغل عطلة الأبوة للراحة والخروج المطول إلى المقهى، بحجة أن المنزل ممتلئ بالفوضى وصراخ الرضع. الأدهى من ذلك أنه كان يفضل في كثير من الليالي النوم في منزل والدته هرباً من الإزعاج، ليتحول ‘حق الإجازة’ الذي منحه القانون للأب إلى عبء إضافي عليّ ومناسبة لترسيخ عزلي وتخلي المسؤولية.”
وفي المقابل، تتشكل صورة ثالثة فرضتها الضغوط المعيشية، حيث يتحول الوقت الممنوح للرعاية إلى فرصة لتأمين القوت. يروي محمد (34 سنة) كيف قضى إجازته بعد ولادة طفلته الأولى:
“لم تكن الإجازة بالنسبة لي استراحة؛ فاخترت استغلال ساعات النهار في العمل الإضافي كسائق سيارة أجرى لتوفير دخل إضافي يغطي المصاريف الطبية والمستلزمات المتزايدة للمولودة الجديدة، بينما كنت أخصص ساعات الليل للرعاية والمناوبة مع زوجتي في العناية بالطفلة. كان ينتابني الإرهاق الشديد، لكنني حاولت الموازنة بين واجب الدعم المادي وتخفيف العبء عن زوجتي.”
تؤكد هذه الشهادات المتضاربة أن توسيع عطلة الأبوة — رغم قيمته التشريعية الكبيرة — يظل رهين درجة الوعي الفردي والظروف الاقتصادية لكل أسرة، مما يستوجب مرافقة التشريع بتوعية مجتمعية تكرس مفهوم الوالدية المسؤولة لا مجرد الاستفادة الإدارية من أيام الراحة.
وفي قراءة أعمق لهذا التحول الاجتماعي، ترى نسرين العميري، المختصة في علم الاجتماع:
“أحدث هذا التشريع نقلة نوعية في هندسة الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة التونسية، حيث بدأ يكسر العقد الاجتماعي القديم المرتكز على ثقافة ‘الأم الراعية بمفردها والأب المعيل من بعيد’، ليحل محلها مفهوم ‘الوالدية المشتركة’. إن انخراط الأب الفاعل في بدايات التنشئة لا يخفف فقط العبء التراكمي والنفسي عن النساء، بل يقلل بشكل ملموس من نسب التوتر والنزاعات الزوجية التي تنفجر غالباً في أشهر المولود الأولى بسبب الإنهاك. هذا القانون يعد خطوة عملية في اتجاه تكريس المساواة الفعلية داخل الفضاء الأسري والتضامن المجتمعي.”
بين النص والواقع

رغم القيمة الحقوقية العالية للقانون، فإن التطبيق الميداني بعد عامين يواجه ثغرات وتحديات تمنع استكمال أهدافه في بعض الأوساط الشغلية. ففي الوقت الذي يسير فيه التطبيق بسلاسة داخل مؤسسات القطاع العام، تُبدي أمهات في القطاع الخاص وفي قطاعات الشغل غير المنظمة تخوفات مكتومة؛ حيث تُمارس أحياناً ضغوطات غير مباشرة لتقصير الإجازة أو الخشية من التهميش الوظيفي عند العودة.
تتحدث منى (29 سنة)، تقنية بالقطاع الخاص:”في مؤسستنا الخاصة، كانت النساء يترددن في التفكير في الحمل بسبب ضغط الإنتاجية وتخوف الإدارة الضمني من الغيابات الطويلة. بفضل النص القانوني الجديد أصبح حقنا مكفولاً ومحمياً بقوة القانون، لكن التحدي الحقيقي الذي نلمسه اليوم يكمن في العقليات والآليات الرقابية؛ فبعض أرباب العمل يتذمرون في الكواليس، وتخشى الموظفة أن يُدفع ثمن هذه العطلة لاحقاً في التقييمات السنوية أو حرمانهن من الترقيات. نحن بحاجة إلى رقابة صارمة تجعل من القانون حماية فعلية للمرأة، لا سبباً خفياً لتفضيل توظيف الرجال.”
بالإضافة إلى ذلك، تبرز مسألة سلاسة الإجراءات التعويضية لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)؛ إذ يطالب خبراء الشغل بتسريع وثيرة صرف المنحات التعويضية وتقليص التعقيدات الإدارية المتعلقة بالملفات الطبية، إلى جانب تكثيف الرقابة عبر تفقدية الشغل لحماية العاملات في الوضعيات الهشة من أي تمييز ضمني عند التوظيف، حتى لا تحول التكلفة المالية للحق القانوني إلى عائق خفيّ أمام تشغيل النساء.
استثمار في الإنسان
إن قانون الأمومة والأبوة ليس مجرد نص قانوني يُضاف إلى المجلات التشريعية، بل هو رسالة حضارية واضحة مفادها أن الدولة تعي جيدا أن قوة مجتمعاتها تبدأ من لحظة الميلاد. إن القيمة الحقيقية لهذا المكسب لا تقاس بأيام الراحة فحسب، بل بالاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يزرعه في شرايين الأسرة التونسية، مما يجعل منه استثماراً مستداماً في المستقبل ورأس المال البشري يتطلب مواصلة حمايته وتذليل عقبات تنفيذه الميداني.















