full screen background image
   الأحد 5 أبريل 2020
ر
رأس السنة و رأس الحكومة: أو تهنئة بمذاق آخر-التيماء

رأس السنة و رأس الحكومة: أو تهنئة بمذاق آخر ..بقلم خالد كرونة

1 ـ تذكروا وأنتم على أبواب عام جديد ما كان يهرف به بعض مستعجلي التاريخ و أصحاب الحَول السياسيّ منذ أسابيع طويلة عن “سهولة” تأليف حكومة .. ها هي الأيام تثبتُ أنّ السياسة لا تكون إراديّة volantariste بل إنها تخضع تماما إلى موازين القوى.. وبما أنّ نتائج الاقتراع لم تكن حاسمة لصالح أيّ جهة تحوّل الأمر مسلسلا بليدا على مقاس “ارجع غدوة” .

2 ـ الأوضاع الداخليّة التي تمرّ بها تونس تحتاج “مشروعا سياسيّا” ، أي أنّ المفروض أن تكون هناك حكومة سياسيّة لها بيان تعرضه على البرلمان و على الشعب يمثّل “برنامج عملها” و على أساسه تُمنح الثقة و على أساسه أيضا تُحاسبُ . أمّا ما نحن إليه سائرون ، فهو حكومة “التملص من المسؤوليّة” لأنّ من يُعتبرُ نخبة أو ممثلي الطبقة السياسيّة ليس أغلبهم غير “خردة” ما عادت تصلح للحياة ولا ينتظرُ منها العسل إلاّ الأبله .

3 ـ حين تعقد النهضة أمس 30 ديسمبر ( نهتم بها لأنها من رشّح رئيس الحكومة المكلف و ليس لأي سبب آخر) على التوالي اجتماعا للمكتب السياسيّ و آخر للمكتب التنفيذي فذاك لا يخبر عن “قرب ولادة الحكومة” ولا يؤشّر على غير استمرار أزمة طاحنة على مغانم الحكم وتكالب على صنع القرار.

4 ـ بعد سيرك التشكيل الحكومي المنكّه برائحة الشاي، الذي بات نكتة يتندر بها القاصي و الداني ، ألم يحن الوقت لنقول الحقيقة كاملة : هذا الرجل القادم من أكناف العتمة (مع احترامنا لشخصه) لا يصلح البتّة لإدارة الشأن العامّ.. إن التصدّي للمسؤوليّة الأولى في البلاد وفق نظامها السياسيّ يحتاج ملكات قياديّة و دربة على التوجيه، وضربا من “الكاريزما” لا يبدو أنّ المنكوب يملك ذرّة واحدة منها . أن نرحم البلد هو أن نرحمه من هذه الأعباء التي ناء بها بإشارة من المرشد تبعا لإشارة مهندس خفيّ يبدو حسب روائح دخان النهضة أنّه “رضا السعيدي” .

5 ـ إذا حصلت المعجزة بمناسبة رأس السنة، وصار السيد الجملي رئيسا للحكومة ، سنرى فيها “كفاءات أراذل” .. فالتسريبات تشير إلى إعادة توزير “فاضل عبد الكافي” الذي يعلم القاصي والداني ارتباطه بأوساط المال الفرنسية و ما تعلق به من شبهات فساد حملته على الاستقالة وما بالعهد من قدم . وتشير التسريبات إلى استمرار “روني” على رأس السياحة وهي أكبر فضيحة زمن “الخيانة العظمى” فالعارفون يدركون يقينا لا تخمينا صلاته بالدوائر المتصهينة            و تاريخه “الطلائعيّ” في استقدام غزاة فلسطين معززين مكرمين إلى ربوعنا أضيافا..ولا تنسوا رجاء تصريحاته الأخيرة الوقحة ..وثالثة الأثافي توزير السيد ناجي مرزوق (حبيب شركة أورنج) وحكايته مع شركة النفط السويدية و ما اتصل بها من شبهة فساد لا تخفى على العارفين ..

6 ـ حكومة رأسها بهذا العجز، في رأس سنة محملة بالأحداث الجسام التي لن تتأخّر في الإقليم ، ستقودنا حتما إلى أحد احتماليْن:

أ ــ “ابتلاع الدولة” عبر التمكين لحزب المرشد العجوز إذا حصلت مفاجآت في انتخابات الجزائر البرلمانية القادمة لصالح مشتقات الإخوان، و”صمود” جماعة الوفاق في ليبيا الجريحة أي أنّنا سنكون بين المطرقة و السندان  وسندخل متاهة لا أحد يعلم منتهاها .

ب ـ تصفية ما سُمّي “انتقالا ديموقراطيا” و إعلان نهاية  ما يدعى “النموذج التونسي” في حال وقوع العكس، (وهو ممكن آخر) أي في حال صعود نخبة معادية للإسلامويين في الجزائر و في حال كسر شوكتهم في ليبيا . وقتها لكم أن تتخيلوا مصير جماعة النهضة الذين سيندمون وقتئذ (حيث لا ينفع ندم) على عسفهم في التعامل مع مؤسسات الدولة و على عنجهيتهم في التعامل مع الفرقاء السياسيين . والخطر هو الخطر في كلتا الحاليْن على الشعب و على الوطن .

7 ـ في حال أُعلن عن نهاية “سي الحبيب” ( الذي رأيته منتهيا منذ البدء كما كتبت من زمان) ، من يمكن أن يُرشّح من الرئيس؟ وهل يمكن أن نطمئنّ إلى حسن الاختيار؟ ولنفرض أنّه اختار شخصية تحظى بقدر من المقبوليّة ، أتظنّون تأليف حكومته أيسر؟ ومن سيصوّت لفائدتها؟ وكيف ستكون مفاوضات تشكيلها؟ وأيّ سوق نخاسة قذرة ستفتح؟

8 ـ المنظمات الوطنية و بالأساس اتحادات الأعراف و الشغالين و الفلاحين،، هل يمكن أن نتوهّم أنّ صبرهم لن يعيل؟ وكيف تواجه القيادات صبر القواعد الذي نفذ؟ ومن يستطيع أن يمنع موجة من الحراك الاجتماعي سحبها العاصفة بصدد التجمع لا ينكرها إلا ذو عين كليلة ؟ ثم أليست هذه المنظمات محكومة هي الأخرى بتوازنات داخليّة خاصة أنّ بعضها عينه على مؤتمرها القادم ؟

9 ـ إذا لم تتشكّل عاجلا “جبهة اجتماعية ديموقراطية” تضمّ المنظمات و الجمعيات و الشخصيات و الأحزاب التي تتوفّر على الحدّ الأدنى من الاستقلاليّة عن الدوائر الأجنبية و على برنامج الحدّ الأدنى الاقتصادي ـ الاجتماعيّ أي إذا لم يتكوّن “قطب مقاوم” pole de resistance  فإنّ بلادكم ستذهب إلى المجهول .

10 ـ والشعب الكريم .. أليس من حقّه على “النخب” أن تترك الشعارات الرنانة لأصحابها من باعة الوهم وأن تتحلّى بالروح العمليّة وأن تدرك أنّ برنامجا لا يتجه إلى تفكيك تحالف العصابات التقليدية و العصابات المافيوزية ولا يطرح جدّيّا حلولا لأزمة الريف ولا يقدّم بارقة أمل للمهمشين حوالي كل المدن وفي أحيائها الشعبية المفقرة باتجاه إدماجهم و تحويلهم “مواطنين” فعلا  ولا يستند إلى رؤية ضمن الحد الأدنى لصون ما بقي من سيادة أهدرها حكام البلد منذ 60 عاما و اجتهد المتأخرون منهم في السنوات الأخيرة في تدنيسها وتحويلنا فضيحة على كل لسان ولدى كل البلدان ؟؟

صحيح أنّ ما نقوله قد يبدو مثاليّا ، ولكنّه الطريق الوحيدة السالكة وسط الأعاصير التي تحوطنا . ولا يمكن أبدا التعويل على شيوخ السياسة المحنّطين ممّن بلغوا سنّ اليأس .. البلد بحاجة إلى طبقة سياسية جديدة شابة لن تتأخّر في البروز إذا اتجهنا لبناء هذا القطب المقاوم الضروريّ و الحتميّ .

                                                                                                                             خالد كرونة ــ كاتب من تونس