في سياق التحولات البيئية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر، وفي ظل تصاعد الوعي بضرورة مراجعة علاقة الإنسان بمحيطه وبالمواد التي ينتجها ويستهلكها، تأتي تجربة العرض الأدائي «من اليومي المستهلك إلى القيمة الفنية الكونية» للفنانة التشكيلية والباحثة في مرحلة الدكتوراه نجلاء الزوالي كمون، لتطرح مقاربة فنية وفكرية لمفهوم إعادة التدوير، متجاوزة أبعاده التقنية والبيئية المباشرة نحو مساءلة أعمق للعلاقة بين الاستهلاك والإهمال والإبداع، وبين المادة المهملة وإمكاناتها التعبيرية والجمالية والرمزية.
لا تنطلق هذه التجربة من مجرد الرغبة في إعادة توظيف النفايات أو تحويل المواد المستهلكة إلى منتجات ذات قيمة استعمالية جديدة، بل تتأسس على تصور فني وفلسفي يعتبر أن الأشياء لا تستنفد قيمتها بانتهاء وظيفتها الأولى، وأن المادة التي يقصيها منطق الاستهلاك يمكن أن تستعيد حضورها من خلال فعل إبداعي يعيد تشكيلها ويمنحها دلالات جديدة. ومن هذا المنطلق، يتحول التدوير إلى ممارسة جمالية ونقدية، تعيد النظر في مفهوم القيمة ذاته، وفي الحدود الفاصلة بين الجميل والمبتذل، والنافع والمهمل، والمستهلك والقابل لإعادة الإنتاج.
اليومي باعتباره مجالا للتحول والإنتاج الجمالي
تجد هذه التجربة أحد مرتكزاتها الفكرية في التصورات النقدية التي تناولت الحياة اليومية باعتبارها فضاء تتشكل داخله علاقات الإنسان بالأشياء وبالمجتمع وبأنماط الإنتاج والاستهلاك. وفي هذا السياق، تبرز مرجعية الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر (Henri Lefebvre)، وخاصة من خلال مشروعه الفكري Critique de la vie quotidienne، الذي جعل من اليومي موضوعا مركزيا للتحليل الفلسفي والاجتماعي، كاشفا عن تناقضاته وآليات تشكله وعلاقته بالاغتراب والاستهلاك.
وانطلاقا من هذا التصور، لا تتعامل التجربة مع اليومي باعتباره مجرد فضاء للأشياء العابرة والممارسات الاعتيادية، بل باعتباره مخزونا ماديا ورمزيا قابلا لإعادة الاكتشاف والتشكيل. فالمادة البلاستيكية التي ترافق تفاصيل حياتنا اليومية، ثم تغادر مجال اهتمامنا بمجرد انتهاء وظيفتها، تتحول داخل هذا المشروع إلى موضوع للتفكير وإلى وسيط للإبداع. وهنا تتجلى إحدى أهم رهانات العمل: إعادة الاعتبار إلى ما همّشه منطق الاستهلاك، وتحويل ما اعتُبر فائضا عن الحاجة إلى مادة منتجة للقيمة الفنية.
كما تتيح كتابات موريس بلانشو (Maurice Blanchot)، وخاصة نصه La parole quotidienne ضمن كتاب L’Entretien infini، أفقا تأويليا لفهم علاقة الإنسان بالمألوف واليومي وما يتوارى خلف اعتياديته. فاليومي، في أبعاده الفلسفية، ليس بالضرورة ما يظهر ويستأثر بالانتباه، بل كثيرا ما يكون ما يمر أمام أعيننا دون أن نمنحه قيمة أو نتوقف عند دلالاته. ومن هنا تكتسب المواد المهملة في هذا العرض حضورا جديدا؛ إذ ينتقل البلاستيك من هامش الرؤية إلى مركز المشهد، ومن مادة مستهلكة فاقدة لوظيفتها إلى عنصر بصري وتعبيري يستعيد حضوره داخل الفضاء الفني.
إن استثمار هذه المرجعيات لا يعني تحويل العرض إلى تطبيق مباشر لنظرية فلسفية، وإنما يكشف عن تقاطع خلاق بين التفكير النظري والممارسة التشكيلية، حيث تصبح المادة اليومية مجالا لاختبار إمكانات التحول وإعادة إنتاج المعنى.
من الاختناق البيئي إلى لحظة الاستفاقة الجمالية
ينطلق البناء الدرامي والبصري للعرض من مشهد مسرحي ذي حمولة رمزية ونقدية، تتداخل فيه الحركة والرقص والأداء الجسدي مع الحضور الكثيف للنفايات البلاستيكية. ويستحضر هذا المشهد اختلال التوازن البيئي وما يفرزه السلوك الاستهلاكي من آثار على الإنسان والكائنات الحية والطبيعة.
تتحول الأجساد، من خلال حركاتها وإيماءاتها وتفاعلاتها مع المواد المهملة، إلى علامات بصرية تجسد الاختناق والاضطراب والاغتراب داخل محيط مثقل بمخلفات الاستهلاك. ولا تكون النفايات هنا مجرد عناصر للديكور أو مكونات سينوغرافية، بل تتحول إلى وسيط تعبيري يحمل خطابا نقديا حول واقع بيئي وإنساني يستوجب المراجعة.
غير أن أهمية هذا البناء المشهدي تكمن في عدم استقراره عند حدود التشخيص أو التحذير، بل في قدرته على إنتاج لحظة تحول درامية وفكرية. فمن مشهد الاختناق والفوضى ينبثق فعل الاستفاقة والوعي، لينتقل الإنسان من موقع المستهلك الذي يساهم في إنتاج النفايات إلى موقع المبدع القادر على إعادة اكتشاف المادة وتحريرها من وظيفتها السابقة.
وهكذا يتخذ العرض مسارا تحويليا ينتقل من القبح البيئي إلى الإمكان الجمالي، ومن الفعل الاستهلاكي إلى الفعل الإبداعي، ومن حالة الرفض والإقصاء إلى إعادة الإدماج والإنتاج.
إعادة إنتاج المهمل: حين تتحول النفاية إلى لغة تشكيلية
تتجسد لحظة التحول في عرض للأزياء الإبداعية المصنوعة من البلاستيك والمواد المستهلكة والمهمَلة. وفي هذا الجزء من التجربة، تتغير الصورة المشهدية بصورة جذرية؛ إذ تغادر المواد البلاستيكية موقعها السابق باعتبارها مخلفات ملوثة، لتصبح خامات تشكيلية قابلة للتطويع والتوليف وإنتاج التكوينات البصرية.
إن تحويل هذه المواد إلى أزياء ليس مجرد استبدال لوظيفة بأخرى، بل هو فعل إعادة بناء للعلاقة بين المادة والجسد والفضاء. فالجسد الذي بدا في بداية العرض محاصرا بمخلفات الاستهلاك، يصبح لاحقا حاملا لتشكيلات جمالية جديدة، فيما تتحول المادة التي ساهمت في إنتاج مشهد الاختناق إلى عنصر أساسي في إنتاج مشهد الجمال والتحرر.
ومن خلال هذه المفارقة البصرية، تنجز الفنانة تحولا في الدلالة قبل أن تنجز تحولا في الشكل؛ إذ يصبح البلاستيك مادة للتعبير عن إمكانية الإنسان في تجاوز أنماط الاستهلاك السائدة، وفي إعادة توظيف ما ينتجه العالم المعاصر من فائض مادي ضمن مسارات إبداعية بديلة.
وتكشف هذه الممارسة عن وعي تشكيلي يتعامل مع الخامة خارج تصنيفاتها التقليد















