full screen background image
   الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
ر

حين يصبح جسد المرأة ساحة للقرار: من يملك حق فحصه وتأويله؟

تحقيق:

ياسمين بوذينة

 

إن لم يكن الجسد شيئا فهو وضع في العالم إنه طريقتنا في الإمساك بالعالم ورسمنا لمشاريعناسيمون دو بفوار،الجنس الآخر .

لكن ماذا يحدث عندما يتحول هذا الجسد من مساحة تعيش فيها المرأة تجربتها إلى جسد يفحص ويفسر ويطلب منه أن يقدم دليلا؟ في تلك اللحظة التي تدخل فيها امرأة غرفة الفحص الطبي الشرعي يتغير معنى جسدها لم يعد الجسد فقط جسدا عاش تجربة أو تعرّض للعنف أو عانى من الألم بل يصبح مصدرا محتملا للمعلومة ثم للدليل ثم لما قد يدخل لاحقا في ملف أمني أو قضائي .

ماذا نفحص ؟ هل نبحث عن علامة على الجسد نبينها في نتيجة الفحص أو وصف لغشاء البكارة أو إصابة موثقة أو أحيانا غياب إصابة؟

من يقرر ما الذي يجب فحصه؟من يقرر ما الذي يُكتب في التقرير؟وماذا يستطيع الطبيب أن يثبت فعلا؟ ومتى يتحول الفحص من وسيلة لجمع الأدلة إلى تجربة أخرى تطلب فيها من المرأة إجابات لا يستطيع جسدها تقديمها؟

في تونس، يكتسب السؤال أهمية خاصة في قضايا الزواج غير المستهلك وفي قضايا العنف والاعتداء الجنسي وفي الحالات التي تدخل فيها معلومات عن جسد المرأة إلى مسار قضائي لكن خلف كل تقريرطبي توجد امرأة.

امرأة قد تدخل الفحص وهي تريد إثبات واقعة ثم تجد نفسها مطالبة بأن تثبت شيئا عن جسدهاوهنا يبدأ السؤال الأوسع: هل يمكن أن نحافظ على الدليل دون أن نفقد معه استقلالية صاحبته؟

أحيانا لا تبدأ الحكاية داخل غرفة الفحص بل قبلها بسنوات.تزوجت لكن الزواج لم يُستهلك لم يحدث الجماع طوال ثلاث سنوات هكذا وصفت عليا رحلة ثلاثة سنوات من الأسئلة والانتظار والشكوك قبل أن أجد نفسي أمام الطب الشرعي

ثلاث سنوات بلا معاشرةثم إلى الطب الشرعي

ربما يهيأ لك وأنت تقرأ هذي الأسطر أنك بصدد قراءة سيناريو فيلم أو مسلسل فبحسب رواية محدثتنا التي اخترنا ان نسميها علياء ، أخبرها زوجها بعد الزواج إن لديه مشكل جنسي وطلب منها أن تقف بجانبه وتساعده ذهبا معا إلى طبيب وإلى أخصائي في العلاقات الجنسية وخضعا لجلسات في محاولة لمعالجة “ مشكلته“

لتكتشفت لاحقا أنه لم يكن هناك مشكلة أصلا وأنه كان مجرد تمثيل كان يخطط لسلبها كل ما تملك والهجرة سرا وأنها لم تكن سوى وسيلة لجمع أكبر كمية من المال لأنها ابنة عائلة ثرية ووحيدتهم لم يرغب يوما في اتمام الزواج والتورط بأطفال قد يثنونه عن مساعيه

قررت طلب الطلاق للضرر، وطلبت عرضها على الطب الشرعي وإجراء خبرة طبية شرعية لتثبت بأنها مزالت عذراء رغم سنوات الزواج الثلاث لم تكن الخبرة بالنسبة إليها مجرد إجراء إداري كان صدمة.

تقول محدثتنا أن ظروف الفحص كانت صعبة وغير ملائمة بالنسبة إليها و بأنها بعد تلك التجربة أغلقت نهائيا باب الزواج.لم يكن ما بقي معها هو الملف القضائي فقط، بل آثار تجربة ارتبطت بحسب روايتها، بالخيانة والغدر والإهانة والخوف من كلام الناس كانت تقول: “بأن ذنبها أنها صدقته وبأنها كانت بنت أصول؟” لتضيف متساءلة «من سيصدق أننا عشنا ثلاث سنوات دون معاشرة؟»

حتى نظرات المقربين وأسئلتهم وألسنتهم أصبحت بالنسبة إليها جزءا من التجربة فاختارت العزلة على مواجهة القيل والقال،وهو مااكدته المحامية محبوبة الزاير في حديثنا معها،حيث بينت أن فحص العذرية هو اختيار شخصي ولاتعتبر سندا قانونيا،لكن حسب الزاير،قد يجعل الرفض المرأة محل إدانة.

هذه الشهادة لا تقول إن كل امرأة تمر بخبرة مشابهة تعيش التجربة نفسها ولا تسمح بتعميم تجربة فردية على جميع الحالات لكنها تكشف شيئا آخر:حين يدخل الجسد إلى مسار الإثبات، لا يبقى الفحص منفصلا عن التجربة الإنسانية التي جاءت المرأة من أجلها.

أما نورة كما اخترنا أن نسميها،فقد تقدمت أيضا بطلب الطلاق للضرر لأن العلاقة الجنسية لم تحصل وبمرافقة محاميتها قدمت قضية وطلبت هي أيضا عرضها على الطب الشرعي وإجراء خبرة طبية شرعية لكن الفحص لم يحدث مرة واحدة،فبحسب روايتها، خضعت له أكثر من ثلاث مرات، بعدما اعترض زوجها على نتيجة الفحص ليتم إعادة فحصها وتعيين موعد ثان فثالث فرابع ليأمر القاضي لاحقا بفحص الزوج أيضا.

ليتبين بعد الفحص وجود إصابة لديه تعود إلى الطفولة، انتهى الزواج بالطلاق وحصلت على تعويض لكن انتهاء القضية لم ينهِ التجربة تقول محدثتي إن ما حدث بقي عالقا في ذاكرتها حتى بعد إعادة حياتها والزواج والإنجاب.وكان الجزء الأكثر إيلاما بالنسبة إليها وحسب روايتها ليس فقط ما حدث داخل مسار التقاضي، وإنما الشك الاجتماعي: كلام الناس والتساؤلات وحتى اعتراض عائلة زوجها الحالي وتشكيكهم في روايتها كل تعويضات العالم لا تعوض ما مررت به احيانا اتمنى لو كان حلما

قبل أن يصبح الجسد دليلا

قبل أن يدخل جسد المرأة غرفة الفحص، يكون قد حمل في بعض السياقات معنى اجتماعيا يتجاوز الطب

في بحث أنثروبولوجي أجرته إبتسام بن دريدي حول طقس «التصفيح» (Tasfih) في تونس، يعود العمل الميداني إلى سنة 2001، ونُشر سنة 2010 في L’Année du Maghreb.

يتناول البحث ممارسة «التصفيح» بوصفها ممارسة شعبية مرتبطة بحماية الفتاة والمحافظة على عذريتها قبل الزواج، وتكشف عن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجسد الأنثوي إلى مساحة تُسند إليها العائلة والمجتمع وظيفة اجتماعية تتجاوز وظيفته البيولوجية.

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بما يحدث للجسد، وإنما بالمعنى الذي يُسند إليه الجسد.فالجسد يصبح مرتبطا بفكرة الحماية وبفكرة العذرية وبانتظار الزواج وباللحظة التي يُفترض فيها أن يصبح قادرا على تقديم «دليل» على ما إذا كانت هذه القواعد الاجتماعية قد حُفظت أم لا.

فقبل أن يصبح الجسد موضوعا للخبرة الطبية، يكون قد أصبح أصلا موضوعا للرقابة والتوقع الاجتماعي ومن هنا تتشكل سلسلة طويلة:

المجتمع يسأل عن العذرية العائلة تبحث عن علامة الطب يُطلب منه تفسير العلامة ثم قد يدخل هذا التفسير إلى مسار قضائي.

لكن الدراسة الأنثروبولوجية لا تثبت أن «التصفيح» يؤدي مباشرة إلى النزاعات الزوجية أو القضائية ولا يمكن استخدامها لإثبات سلوك النساء أو الرجال في المحاكم قيمتها هنا مختلفة إنها تساعد على فهم الخلفية الثقافية التي تجعل جسد الفتاة وخصوصا ما يتعلق بعذريتها محمّلا بمعان اجتماعية يمكن أن تتجاوز ما يستطيع الطب نفسه إثباته

فعندما يحمل الجسد كل هذه المعاني الاجتماعية، ماذا يحدث عندما يُطلب من الطب أن يحوله إلى دليل؟

هل يستطيع أن يجيب عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع؟ أم أن بعض هذه الأسئلة، في الأصل ليست أسئلة طبية؟

من الحديث العائلي إلى جسد «الدليل»

ولا يبدأ تحميل الجسد بهذا المعنى داخل غرفة الفحص الطبي فقط. تُظهر دراسة أنجزتها مجموعة توحيدة بن الشيخ على عينة من 1200 أم من تونس الكبرى أن العذرية تبقى الموضوع الأكثر تداولًا في حديث الأمهات مع بناتهن، بنسبة تفوق 73 %.

وتكشف الدراسة في المقابل عن تفاوت في الحديث عن مسائل البلوغ بين البنات والأولاد، إذ قالت 91% من الأمهات إنهن يتحدثن مع بناتهن حول البلوغ مقابل 67.4% فقط مع الأولاد.

الرقم الأول مهم لأنه يضع مسألة العذرية قبل المحكمة وقبل الطبيب: داخل الأسرة نفسها. فإذا كان أكثر من سبع أمهات من كل عشر يتحدثن مع بناتهن عن العذرية باعتبارها موضوعا مركزيا، فإن الحديث عن جسد الفتاة قد يبدأ في جزء منه من سؤال اجتماعي حول المحافظة على «العذرية»، بدل أن يبدأ من مفاهيم أوسع مثل معرفة الجسد، الصحة الجنسية، الحق في المعلومة والحدود الشخصية والاستقلالية الجسدية.

وهنا تظهر السلسلة التي نحاول تفكيكها:

العائلة تسأل عن العذرية المجتمع يحمّل الجسد معنى اجتماعيا الطب يُطلب منه أحيانًا تفسير الجسد وقد يصل هذا التفسير لاحقا إلى المسار القضائي.

لكن الدراسة تفتح أيضا بابا آخر للحل: التربية والتواصل داخل الأسرة، فإذا كانت الأمهات أنفسهن يعبّرن عن الحاجة إلى أدوات تساعدهن على الحديث مع أبنائهن حول البلوغ والصحة الجنسية والإنجابية، فإن حماية الاستقلالية الجسدية لا تبدأ عند لحظة الاعتداء ولا عند باب الطبيب الشرعي فقط وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير: عندما يتعلم الطفل أن جسده ليس سرا يُراقَب وأن العذرية ليست معيارا طبيا لقيمة الفتاة وأن المعرفة بالجسد جزء من الحماية والحق في اتخاذ القرار، وهنا يصبح الاستثمار في التربية الجنسية الملائمة للعمر والتواصل الأسري القائم على المعرفة العلمية جزءا من الوقاية لا موضوعًا منفصلًا عن العدالة.

فالسؤال في النهاية ليس فقط: كيف نفحص الجسد عندما يصبح دليلا؟

بل أيضا: كيف نربي أبناءنا وبناتنا قبل أن يصل الجسد أصلا إلى غرفة الفحص؟

في تونس،وفي إحدى نشراته تناول المجلس  الوطني لهيئة الأطباء مسألة طلب شهادة العذرية من خلال مادة بعنوان  ?Demande d’un certificat de virginité : Comment réagir  وميّز بين حالات مختلفة لطلب هذا النوع من الشهادات لكن المشكلة الأساسية تظهر عندما

يتحول الطبيب إلى طرف في ضغط اجتماعي يطالب المرأة بإثبات عذريتها وهنا لا يعود السؤال طبيا فقط؟

فماذا يعني أصلا أن يطلب شخص من الطبيب أن يحدد ما إذا كانت امرأة «عذراء»؟

الجواب العلمي الدولي واضح في بيان مشترك سنة 2018، قالت منظمة الصحة العالمية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة إن ما يسمى «فحص العذرية» لا أساس علميا أو سريريا له وإن مظهر غشاء البكارة لا يمكنه إثبات ما إذا كانت المرأة أو الفتاة قد مارست الجماع من قبل.

كما يؤكد البيان أنه لا يوجد فحص طبي يمكنه إثبات التاريخ الجنسي للمرأة. بمعنى آخر: الجسد لا يملك تلك الذاكرة التي يُطلب منه أحيانا أن يقدمها للمحكمة أو للعائلة.

ماذا يعني «الزواج غير المستهلك»؟

يُستخدم هذا التعبير في الأدبيات الطبية لوصف حالة لا يتمكن فيها الزوجان من إتمام العلاقة الجنسية عبر الإيلاج المهبلي رغم محاولات متكررة. ولا يعني المصطلح بالضرورة وجود مشكلة لدى المرأة وحدها فقد تكون الأسباب مرتبطة بالزوج أو بالزوجة أو بكليهما أو بعوامل نفسية وجسدية متداخلة. ومن بين الأسباب التي تناولتها الدراسات: اضطرابات الانتصاب، والتشنج المهبلي، والقذف المبكر، وعوامل نفسية وغيرها.

أما قانونيا في تونس، فـ«الزواج غير المستهلك» ليس تسمية مستقلة في مجلة الأحوال الشخصية وإنما تتعامل المجلة مع آثار عدم حصول الدخول من خلال عبارات مثل «قبل الدخول» و«قبل البناء». لذلك، فالمصطلح الطبي لا ينبغي الخلط بينه وبين وصف قانوني مستقل.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن عدم حصول العلاقة الجنسية لا يعني تلقائيا أن جسد المرأة يحمل دليلا طبيا حاسما على ذلك. فالسؤال الطبي قد يكون: لماذا تعذر إتمام العلاقة؟ بينما يتحول السؤال الاجتماعي أو القضائي أحيانا إلى: هل حدثت العلاقة أصلا؟ وما الذي يمكن للطب أن يثبته في هذه الحالة؟أما إذا انتقلنا من مفهوم «العذرية» إلى الزواج غير المستهلك تصبح الصورة أكثر تعقيدا.

دراسة تونسية نشرت سنة 2020 راجعت 28 خبرة طبية شرعية في قضايا طلاق للضرر بسبب الزواج غير المستهلك بمصلحة الطب الشرعي في مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس خلال الفترة الممتدة بين 2006 و2018.

النتائج تكشف مدى تعقيد محاولة تحديد السبب:

28 خبرة طبية شرعية

39%لم يتم تحديد سبب

25%سبب نفسي/نفسيطبّي

18%خلل في الانتصاب

11%قذف مبكر

7%تشنج مهبلي

الدراسة لا تقول فقط إن الأسباب متعددة بل تضع أمامنا رقما شديد الدلالة: في 39% من الخبرات لم يتم تحديد سبب للزواج غير المستهلك. ويخلص الباحثون إلى أن تشخيص الزواج غير المستهلك وتحديد أسبابه يمثل تحديًا للخبير الطبي وأن الخبرة يجب أن تقوم على استراتيجية طبية شرعية دقيقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفحوصات تدخلية.

وبالتالي حتى عندما يصبح الجسد موضوع خبرة قضائية لا تكون النتيجة دائما جوابا قطعيا وقبل هذه الدراسة بسنوات، بحث فريق طبي تونسي في ملفات 80 زوجا تابعوا بسبب الزواج غير المستهلك بين 2000 و2010 في عيادة أندرولوجيا.

وجد الباحثون أن:

ضعف الانتصاب ظهر في 40% من الحالات.

القذف المبكر في 5%.

اجتماع اضطرابات مختلفة شمل ضعف الانتصاب والقذف المبكر وانخفاض الرغبة في 15%.

التشنج المهبلي في 12.5%.

أسباب مرتبطة بالزوجين، منها اجتماع ضعف الانتصاب والتشنج المهبلي، في 27.5%.وبعد العلاج والمتابعة، تم استهلاك الزواج في 57 حالة من أصل 80، أي 71.25%.

هذه النتائج مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال ضيق:«هل حدث الجماع أم لا؟»إلى سؤال أكثر تعقيدا:ما الذي منع حدوثه؟فالزواج غير المستهلك يمكن أن يرتبط باضطرابات جنسية مختلفة لدى الرجل أو المرأة أو كليهما وليس بعلامة واحدة يمكن قراءتها من جسد المرأة.

عندما تصبح الأرقام أكبر 

دراسة حديثة منشورة سنة 2026 في The Journal of Sexual Medicineشملت 229 زوجا استشاروا بسبب الزواج غير المستهلك خلال الفترة بين 2010 و2020 هؤلاء مثلوا 42.7% من مجموع استشارات الطب الجنسي في العينة خلال تلك الفترة.

وهنا يجب التشديد على نقطة منهجية: 42.7% ليست نسبة انتشار الزواج غير المستهلك بين الأزواج التونسيين وهي نسبة داخل عينة سريرية من أشخاص قصدوا عيادة للطب الجنسي.في هذه العينة، صُنفت الأسباب على النحو التالي:

53.7% مرتبطة بالمرأة

32.8% مرتبطة بالرجل

11.8% مرتبطة بالزوجين

وكان التشنج المهبلي أبرز الأسباب بنسبة 65% يليه ضعف الانتصاب بنسبة 35%.

كما كشفت الدراسة عن فجوات في المعرفة الجنسية: 67 امرأة و36 رجلا لم تكن لديهم معرفة بتشريح أو وظائف الأعضاء التناسلية ولم تقل سوى أربع نساء إنهن تلقين شكلا من أشكال التربية الجنسية هنا تظهر علاقة أخرى بين الجسد والمعرفة أحيانا لا يكون السؤال: «من يرفض؟»بل: هل يعرف الطرفان أصلا ما يحدث في جسديهما؟

وفي سنة 2026، تناول بحث تونسي آخر الصعوبات التي تواجه الخبرة الطبية الشرعية للمرأة في قضايا الزواج غير المستهلك.الدراسة شملت خمس استشارات طبية شرعية في إطار قضايا طلاق مرتبطة بعدم استهلاك الزواج.

وخلص الباحثون إلى أن تحديد ما إذا كان الجماع قد حصل يمكن أن يكون صعبًا، خصوصًا إذا تم الاعتماد فقط على شكل غشاء البكارة، بسبب الاختلافات التشريحية الطبيعية.

وهنا تتقاطع النتيجة مع ما أكدته منظمة الصحة العالمية قبل سنوات: الجسد لا يقدم دائما ذلك النوع من الدليل الذي يبحث عنه المجتمع ولا يمكن اختزال التاريخ الجنسي للمرأة في شكل عضو من أعضائها.

من الزواج غير المستهلك إلى العنف الجنسي

لكن السؤال يصبح أكثر حساسية عندما لا يتعلق الأمر بمحاولة إثبات عدم حصول الجماع بل بمحاولة إثبات حصول علاقة دون رضا.

في تونس، أعاد القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 صياغة الإطار القانوني للعنف ضد المرأة، كما أعاد تعريف الاغتصاب في الفصل 227 من المجلة الجزائية باعتباره كل إيلاج جنسي، مهما كانت طبيعته أو وسيلته، ضد أنثى أو ذكر دون رضا.

وتتضمن النصوص أيضا حالات تشديد للعقوبة من بينها حالات يكون فيها الفاعل أحد الزوجين في الحالات التي يحددها القانون.هنا يتغير السؤال جذريا ففي الزواج غير المستهلك يكون السؤال غالبا:هل حصلت العلاقة؟أما في الاغتصاب، فالسؤال القانوني الأساسي يصبح:هل حصلت العلاقة دون رضا؟وهذا فرق جوهري.

لأن غياب الرضا ليس بالضرورة جرحا مرئيا على الجسد وقد لا يترك الاعتداء أثرا جسديا يمكن للطبيب أن يلتقطه بعد مرور الوقت.

لذلك، لا ينبغي أن يتحول غياب الإصابة إلى استنتاج بأن الاعتداء لم يحدث كما لا يمكن اعتبار وجود إصابة وحده رواية كاملة عن كل ما وقع،فوظيفة الطب الشرعي هنا هي التوثيق الطبي والعلمي لما يمكن توثيقه لا إصدار حكم أخلاقي على المرأة ولا تحديد تاريخها الجنسي..وبالتالي كيف نضمن احترام استقلالية المرأة الجسدية ؟

هنا تصبح المسافة بين القانون والجسد أكثر تعقيدا، إذا كان جوهر الاغتصاب هو غياب الرضا، فإن الزواج في حد ذاته لا يجيب عن سؤال الرضا في كل واقعة جنسية.

لكن السؤال الذي يواجه المرأة عند التوجه إلى العدالة يظل قائما: كيف تثبت أن العلاقة حصلت دون رضاها؟

القانون التونسي بعد إصلاحات 2017 وسّع مفهوم العنف الجنسي ليشمل العلاقة بين المعتدي والضحية، وأدخل الزوج ضمن الحالات التي يمكن أن تشدد فيها العقوبة في ظروف محددة.وفي المقابل، أظهرت دراسات وتقارير حقوقية وجود إشكالات عملية وقانونية في التعامل مع الاغتصاب الزوجي، من بينها كيفية تفسير العلاقة بين النصوص الجزائية وبعض أحكام مجلة الأحوال الشخصية وكيفية تطبيق النصوص في الواقع القضائي.

لكن هل يكفي الاعتراف القانوني بمبدأ غياب الرضا إذا ظلت عملية إثباته شديدة الصعوبة؟والأهم:هل نطلب من المرأة أن تثبت العنف، أم نطلب منها مرة أخرى أن تثبت نفسها؟

«العذرية» أمام القضاء: ماذا قال القضاء التونسي؟

في قرار تعقيبي عدد 46537 بتاريخ 21 جوان 2017، تناولت محكمة التعقيب قضية طلاق للضرر كان أساسها فقدان الزوجة لعذريتها قبل الزواج.القرار نقض الحكم الاستئنافي الذي اعتبر فقدان العذرية قبل الزواج إخلالا بواجب المصارحة.

والفكرة المركزية في القرار، كما وردت في الشروح القانونية المنشورة حوله أن واجبات الزوجية وآثارها القانونية تبدأ بإبرام عقد الزواج وبالتالي لا يمكن اعتبار سلوك سابق على الزواج في حد ذاته، إخلالا بواجب زوجي نشأ بعد العقد.

هذا الحكم مهم لأنه يضع حدا لفكرة أن الجسد وحده يمكن أن يتحول تلقائيا إلى دليل على خطأ زوجي، لكن هنا يجب التمييز بين الحكم القضائي وبين ما تقوله المحامية التي قابلها التحقيق.

وبحسب الأستاذة المحامية محبوبة الزاير، فإن «عدم العذرية في حد ذاته لا يمثل مانعا للزواج»، لكنها توضح أن إخفاء هذه المعلومة عن الزوج قد يُطرح، تبعا لظروف كل قضية، في إطار نزاع قضائي مختلف.

وهنا تبرز نقطة تستوجب التمييز: ما تقوله المحامية هو تفسير قانوني للمسألة، وليس اقتباسا من حكم صادر عن محكمة التعقيب. لذلك لا ينبغي تقديم هذا الرأي على أنه قاعدة أقرّتها المحكمة، فالفارق بين الرأي القانوني والاجتهاد القضائي جوهري عند تناول مثل هذه المسائل وهو ماتفسره الزاير في التصريح التالي

من «خلوة الزوجين» إلى «قرينة البناء»

المسألة لم تبدأ سنة 2017، في تاريخ القضاء التونسي المتعلق بالعلاقة الزوجية ظهرت عبر الزمن آليات استدلال حاولت التعامل مع وقائع يصعب إثباتها مباشرة.

ومن بين ما تناوله الفقه القضائي الذي وثقته دراسات قانونية تونسية: «خلوة الزوجين» سنة 1973 و«قرينة البناء» سنة 1977. وهذه الأمثلة التاريخية تكشف شيئا مهما: القضاء، عندما يتعامل مع وقائع حميمة تقع في مساحة خاصة لا يشهدها الآخرون، يبحث عن القرائن التي يمكن أن تساعده في بناء الحقيقة القضائية.

لكن السؤال الذي يهم هذا التحقيق اليوم هو: إلى أي حد يمكن أن تظل القرائن متناسبة مع حق المرأة في جسدها وخصوصيتها؟ ما الذي يستطيع الطبيب إثباته؟في قضايا الاعتداء الجنسي الطبيب الشرعي لا يعمل كـ«كاشف للحقيقة المطلقة».يمكنه توثيق إصابات، أخذ عينات، توثيق آثار بيولوجية عندما تكون متاحة وصف الحالة الجسدية والنفسية والمساهمة في حفظ الأدلة.

لكن الطب لا يستطيع أن يعيد الزمن ولا يستطيع أن يقرأ النية ولا يستطيع أن يحول جسد المرأة إلى تسجيل كامل لما حدث. وفي حالات كثيرة، يعتمد إثبات الاعتداء على مجموعة من الأدلة وليس على نتيجة فحص جسدي منفرد.

وهنا يصبح التقرير الطبي جزءا من ملف، وليس حكما. ماذا يعني وجود إصابة؟ ماذا يعني غيابها؟ ما الذي يمكن أن تثبته العينة البيولوجية؟ وما الذي لا يمكن أن تثبته؟ ومتى يصبح الفحص نفسه تدخليًا أكثر مما يلزم؟

ولفهم حدود الفحص الطبي الشرعي وما يمكن أن يثبته فعليا في قضايا الاعتداء الجنسي، تواصلنا مع مصالح الطب الشرعي للحصول على توضيحات حول طبيعة الفحوصات، وقيمة نتائجها في إثبات الاعتداء، وحدود ما يمكن استنتاجه من غياب الإصابات أو وجودها. لكننا لم نتلق أي رد إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لذلك أبقينا هذه النقطة مفتوحة، دون نسبة أي موقف أو تفسير إلى الجهات المختصة من دون تصريح موثق.

بروتوكول جديد: هل يمكن تنظيم الفحص دون إعادة إنتاج الشك؟

في 18 و19 جوان 2026، احتضن مستشفى شارل نيكول في تونس ندوة دولية خُصصت لوضع أسس أول بروتوكول وطني موحد للرعاية الطبية والنفسية لضحايا العنف الجنسي.

الندوة جاءت بمبادرة الوحدة الطبية القضائية «إنجاد» (Injad)، تحت إشراف وزارة الصحة وبشراكة مع مشروع «صلة» والهدف المعلن هو توحيد الممارسات والإجراءات في مختلف أنحاء البلاد وفق المعايير الدولية.

وبحسب الطبيب الشرعي محمد علوش، يشمل التصور استقبال الضحية إعلامها الحصول على موافقتها الفحص الجسدي والتناسلي عند الحاجة أخذ العينات ومنها الحمض النووي عند الاقتضاء إلى جانب الإحاطة النفسية.لكن البروتوكول يواجه سؤالا أكبر من تنظيم خطوات الفحص: كيف نحمي الدليل من دون أن نحول المرأة نفسها إلى دليل؟

في الندوة نفسها، تحدث محمد علوش عن وجود ست ولايات لا تتوفر فيها خدمات طب شرعي، وهو معطى يفتح سؤالا آخر حول المساواة في الوصول إلى العدالة فالخبرة الطبية الشرعية ليست متاحة بالطريقة نفسها للجميع إذا كان الوصول إليها مرتبطًا بالمكان الذي تعيش فيه الضحية.

والحل المقترح، وفق ما طُرح في هذا السياق يشمل تدريب أطباء أقسام الاستعجالي وأطباء النساء والتوليد على التعامل الأولي مع الحالات إلى حين الوصول إلى الخبرة المتخصصة، كما قال علوش إن الحالات المبلّغ عنها من العنف الجنسي قد تمثل نحو نصف العدد الفعلي للضحايا.

الموافقة ليست توقيعا فقط

حين تدخل المرأة غرفة الفحص لا ينبغي أن تكون الموافقة مجرد ورقة توقّعها قبل بدء الإجراءات. الموافقة تعني أن تعرف: لماذا سيُجرى الفحص؟ ما أجزاؤه؟ ما العينات التي يمكن أخذها؟ من سيطلع على النتائج؟ ما الذي يمكن رفضه؟ وهل يمكنها التوقف أو رفض جزء من الفحص؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في فحوص مرتبطة باعتداء جنسي لأن الضحية قد تكون أصلاخارجة من تجربة انتُهكت فيها حدود جسدها.

ومن ثم فإن إعادة السيطرة إليها داخل غرفة الفحص ليست تفصيلا إجرائيا إنها جزء من معنى العدالة نفسها.

وإذا كان تونس تستعد لوضع بروتوكول وطني موحد فإن توحيد الإجراءات لا ينبغي أن يعني فقط الاتفاق على كيفية جمع الأدلة وإنما أيضا على الحد الأدنى من الحقوق التي ترافق جمعها.

المطلوب أن تعرف المرأة، قبل بداية الخبرة لماذا أُحيلت إلى الطبيب الشرعي وما طبيعة المهمة المسندة إليه وما الذي سيُفحص وما الذي يمكن للفحص أن يثبته وما الذي لا يستطيع إثباته ويجب أن تكون الموافقة عملية مستمرة، لا مجرد توقيع في بداية المسار.

فإذا انتقل الطبيب إلى فحص حميم أو إلى أخذ عينة أو إلى إجراء إضافي ينبغي أن تكون المرأة على علم بما سيحدث ولماذا.

أما إذا استدعت الحالة إعادة الفحص، فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: هل يمكن للطبيب إعادة الفحص؟بل أيضا: ما مبرر الإعادة؟ وهل يتم توثيقه؟ وهل تعرف المرأة لماذا ستخضع لفحص ثانٍ؟وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية عندما تكون الخبرة القضائية قد بدأت أصلا في ظل توتر أو خوف أو غياب فهم واضح للإجراء.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يظل التقرير الطبي محصورا في ما يستطيع الطب توثيقه، وأن يوضح حدود النتيجة بدل أن يمنح الجسد قدرة لا يملكها علميا.فلا ينبغي أن يتحول وصف غشاء البكارة إلى استنتاج حول التاريخ الجنسي.ولا ينبغي أن يتحول غياب الإصابة إلى نفي تلقائي للاعتداء.ولا ينبغي أن تصبح الإصابة وحدها تفسيرًا كاملًا لما وقع.

وفي قضايا الزواج غير المستهلك، تُظهر الدراسات نفسها أن النظر إلى جسد المرأة وحده لا يكفي لفهم الأسباب، فالمعطيات الطبية تكشف عن اضطرابات لدى الرجل وأخرى لدى المرأة، وأسبابا مرتبطة بالزوجين. لذلك يمكن أن يكون من المفيد أن يوضح البروتوكول متى تكون الحاجة إلى تقييم الطرفين قائمة، بدل تحميل جسد المرأة وحده عبء تفسير عدم استهلاك الزواج.

كما تطرح مسألة ست ولايات لا تتوفر فيها خدمات الطب الشرعي سؤالا عمليا آخر: كيف يمكن ضمان مسار إحالة واضح وسريع للنساء اللواتي يحتجن إلى الخبرة حتى لا تتحول الجغرافيا إلى عائق إضافي أمام العدالة؟

ولا يكتمل البروتوكول من دون آليات واضحة لحماية المعطيات الطبية والعينات وتحديد من يمكنه الوصول إلى النتائج وكيفية حفظها واستعمالها داخل المسار القضائي.

وأخيرا، يمكن قياس نجاح البروتوكول بدل الاكتفاء بإعلانه من خلال مؤشرات عملية: عدد المهنيين الذين تلقوا التدريب مدى توثيق الإعلام والموافقة، عدد حالات إعادة الفحص وأسبابها، آجال الإحالة، التغطية الجغرافية، وآليات تلقي الشكاوى ومراجعة الإجراءات.

بهذا المعنى، لا يكون الهدف اختيار ما بين الدليل والاستقلالية الجسدية فالهدف هو بناء مسار يستطيع أن يحفظ الاثنين معا.

عندما لا تكون العدالة في حاجة إلى جسد كامل

الدراسات التونسية حول الزواج غير المستهلك تقدم مفارقة واضحة في دراسة شملت 80 زوجا ظهرت أسباب جنسية متعددة، وفي 28 خبرة طبية شرعية لم يتم تحديد سبب في 39% من الحالات وفي دراسة حديثة شملت 229 زوجا، ظهرت أسباب مرتبطة بالمرأة أو الرجل أو الزوجين، وكان نقص المعرفة الجنسية حاضرًا بقوة.

وفي دراسة حديثة أخرى، كان الاعتماد على شكل غشاء البكارة وحده غير كاف لتحديد حصول العلاقة وعلى المستوى الدولي، تقول منظمة الصحة العالمية إن فحص العذرية لا يملك أساسًا علميًا ولا يمكنه إثبات التاريخ الجنسي.

هذه المعطيات مجتمعة لا تقول إن الطب عاجز بل تقول شيئًا أدق: الطب قادر على توثيق أشياء محددة، لكنه ليس قادرا على إعطاء الجسد كل الإجابات التي يطلبها المجتمع أو القضاء.

في بداية هذا المقال دخلت امرأتان إلى مسار قضائي وهما تبحثان عن الاعتراف بما عاشتاه.

واحدة طلبت الخبرة وتم فحصها أكثر من مرة والأخرى خرجت من تجربة الفحص وهي تقول إنها لم تعد تريد الزواج.

أمّا شاهدتنا الثالثة في هذا التحقيق، والتي اخترنا لها اسم “نادية”، فلم تكن تجربتها مجرد إجراء قانوني عابر، بل تجسيداً لإرباكٍ نفسي وإنساني عميق.تصل نادية إلى مكتب الطبيب الشرعي بامتثال لأمر قضائي. وهناك، لم يكتفِ الطبيب بفحصها مرتين متتاليتين بحضور صديقتها التي سُمح لها بالدخول في اختراق لمبدا الخصوصية، بل طُلب منها لاحقا العودة لإعادة الفحص من جديد. وفي خضم هذا التكرار غير المبرر، رمى إليها الطبيب بعبارة مُشككة ومحمّلة باللوم: صاحبتك عذراك أما نزيد نثبت بالك هي ماخلاتوش يمسها ؟.

لم تعد المسألة بالنسبة لنادية مجرد سؤال عن “ماذا سيحدث؟” في مسار قضائي مُعقّد، بل تحوّلت إلى تساؤل حارق يؤرّقها: “لماذا يحدث كل هذا؟”.. بين فحصٍ يُعاد، وعبارات تضع الضحية في موضع الشك، وضبابية تُضاعف من ثقل التجربة.

بينهما سنوات من البحث الطبي وعشرات الملفات ودراسات علمية ونصوص قانونية وحكم تعقيبي وندوة وطنية تبحث اليوم عن توحيد البروتوكول، لكن السؤال بقي نفسه: من يملك القرار في جسد المرأة عندما يصبح الجسد جزءا من ملف؟

أن تكون هناك خبرة طبية لا يعني أن المرأة فقدت حقها في القرار وأن تكون هناك حاجة إلى حفظ الأدلة لا يعني أن كل فحص مباح وأن يعجز الطب عن إثبات واقعة معينة لا يعني أن الواقعة لم تحدث وأن توجد إصابة لا يعني أن الجسد وحده يروي القصة كاملة.

صحيح بان العدالة تحتاج إلى الدليل لكنها تحتاج أيضا إلى معرفة حدود الدليل وتحتاج إلى أن تميز بين التوثيق والحكم الأخلاقي، بين الفحص والإدانة، وبين الجسد بوصفه مصدرًا لمعلومة والجسد بوصفه ملكا لصاحبته لأن الاستقلالية الجسدية لا تبدأ بعد انتهاء الفحص تبدأ منذ اللحظة التي يُطلب فيها من المرأة أن تسلّم جسدها إلى مسار الإثبات والسؤال الأخير ليس فقط: ماذا يستطيع الجسد أن يثبت؟

بل:هل تخرج المرأة من غرفة الفحص وهي تعرف ماذا حدث لجسدها ومن سيقرأ ما كُتب عنه، وماذا سيحدث لهذه المعلومات بعد ذلك؟

يتبع…