full screen background image
   الإثنين 10 أغسطس 2026
ر

مجانية على الورق… مكلفة في الطريق رحلة النساء والفتيات في تونس نحو خدمات الصحة الجنسية والإنجابية


بقلم: ياسمين بوذينة

 

“مدة ست سنين وأنا نعاني من تكيّس المبايض، وما كنتش نعرف حتى وينها هالمشكلة.”

هكذا تختصر سارة (37 سنة) من منطقة وادي الزرقاء الريفية التابعة لولاية باجة ست سنوات من المعاناة الصامتة لم تكن تربط اضطراب دورتها الشهرية التي كانت تنقطع أحيانا ستة أو سبعة أشهر كاملة ولا الآلام الحادة في فترة الحيض بمرض له اسم: متلازمة تكيّس المبايض عاشت المشكلة سنوات دون تشخيص في منطقة تبعد نحو نصف ساعة فقط نظريا  عن مقر ولايتها باجة.

حين توجهت أخيرا إلى مستوصف وادي الزرقاء الحديث الذي يحتوي أحدث المعدات ويغيب فيه أطباء الاختصاص حوّلها الطبيب إلى المستشفى الجهوي باجة لرؤية أخصائي أمراض نساء، وهنا بدأت رحلة أخرى: “قالولي خوذ موعد لقيت المواعيد الي قاعدة تتعطى ما تقلش عن ثمانية شهور، عشر شهور. وفما شكون يجي هو ديجا عندهم رندفو ويبقاو يستناو والا يعاودوا ياخذوا موعد كان مفماش طبيب “ تروي سارة مضيفة أن غياب الأطباء في المواعيد المحددة كان يُقابَل بلا مبالاة: “كي تجي تحكي تسمع كلمة إحنّا ناقصين بطبعتنا طبة والطبيب فلان ما جاش اليوم. وهاك ترى برشا مرضى شنوا نعملوا ما فماش حتى حلول.”

قبل أن تصل حتى إلى غرفة الكشف، كانت الكلفة الحقيقية قد بدأت: فوادي الزرقاء كباقي المناطق الريفية لا يخدمها خط نقل عمومي منتظم نحو باجة. “بالزهر كان تلقى لواج ناقصة بلاصة تجي وحدة من تونس تهبط شخص تركبك…أنا كريت كرهبة بـ50 دينار باش نلحق للرندفو.” وتكرر السيناريو في موعدها التالي: كراء سيارة أخرى بـ50 دينارا إضافيا.

حين قابلت سارة “المحظوظة” الطبيبة أخيرا بعد موعد انتظرته ستة أشهر جاء التشخيص: متلازمة تكيّس المبايض. لكن جهاز تصوير الإيكوغرافي بالمستشفى العمومي كان على حد تعبيرها “مكسّرة” أي خارج الخدمة وكان الخياران أمامها إما الانتظار دون أجل محدد لإصلاحه أو حجز موعد جديد أو دفع كلفة الفحص في القطاع الخاص. اختارت محدثتنا الحل الثاني: 60 دينارا من جيبها لإجراء الإيكوغرافي ” بش منقعدش نطيش لمرة أخرى” وتضطر الى إعادة الرحلة من جديد هذا إضافة إلى أن الحقن اللازمة لمتابعة حالتها لم تكن متوفرة هي الأخرى في المستشفى العمومي فدفعت ثمنها كذلك من مالها الخاص،“نحب نقول: ويني مجانية الصحة، لا ما هيش مجانية 100% ديما عندك ما تصرف ديما نحنا جماعة الأرياف عنا مشكل في الترنسبور والمستوصفات متاعنا ناقصة طبة اختصاص والا يجيو مرة بعد قداه واللي ما عندوش شيعمل منين يصرف.”

وحين سُئلت عن الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري المؤسسة الحكومية المكلّفة قانونا بضمان وصول مجاني وعادل لخدمات الصحة الإنجابية للجميع كانت إجابة سارة هي ربما أبلغ ما في هذه الشهادة: “أنا عمري ما سمعت بيه.”

تجربة سارة ليست استثناء معزولا بل عيّنة دقيقة من واقع تعيشه آلاف النساء والفتيات في تونس يوميا. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، بنت البلاد صورتها كدولة رائدة في مجال الصحة الإنجابية وحقوق المرأة: أول بلد عربي ومسلم يقرّ حق الإجهاض وأول من أطلق برنامجا وطنيا للتنظيم العائلي ومؤسسة عمومية مكلّفة قانونا بتقديم هذه الخدمات مجانا لكل من يطلبها لكن بين النص القانوني الذي يعلن “المجانية” والممارسة اليومية تنفتح فجوة واسعة تكشفها الأرقام الرسمية نفسها: كلفة تُدفع نقدا حين تغيب الخدمة العمومية وكلفة تُدفع وقتا وتنقّلا حين تبتعد المسافة وكلفة تُدفع كرامة حين يتحوّل الوصول إلى الخدمة إلى مواجهة مع اللامبالاة أو الانتظار بلا أفق.

مؤشرات تكشف فجوات الصحة الجنسية والإنجابية في تونس

 العائق الجغرافي: صحة إنجابية بجودة متفاوتة حسب العنوان البريدي

لا تتوزع خدمات الصحة الإنجابية في تونس بالتساوي بين الجهات والدليل الأوضح على ذلك هو مؤشر وفيات الأمهات نفسه فبينما تسجّل جهات الشمال الشرقي حيث تتركز المستشفيات الجامعية والكوادر الطبية المتخصصة نسبة لا تتجاوز 27.9 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة ترتفع النسبة في الشمال الغربي إلى 67 حالة أي أكثر من الضعف. والمفارقة أن هذا التفاوت لا يسير في اتجاه واحد فقط: فمعدل وفيات الأمهات في تونس الكبرى نفسها ارتفع من 40 لكل 100 ألف ولادة إلى 51 خلال عقدين رغم تركّز المرافق الصحية فيها ما يشير إلى أن ضغط الطلب وازدحام الهياكل الصحية يمكن أن يُنتج فجوة إضافية حتى في المناطق “المحظوظة” نظريا.

يملك الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري الذراع الحكومية الرئيسية لتقديم هذه الخدمات مجانا  24 مندوبية جهوية و37 مركزا للصحة الإنجابية و22 “فضاء صديقا للشباب” موزعة على البلاد. لكن هذا الانتشار الشكلي لا يعني تكافؤ الخدمة: فتباعد المراكز وضعف وسائل النقل العمومي بين المعتمديات الداخلية ومقرّات المندوبيات يعني أن امرأة في جهة داخلية قد تحتاج إلى قطع عشرات الكيلومترات وتحمّل كلفة نقل وتوقّف عن العمل ليوم كامل لإجراء فحص أو الحصول على وسيلة منع حمل كانت ستكون “مجانية” لو توفرت على مقربة منها حالة سارة بين وادي الزرقاء وباجة مسافة لا تتجاوز نصف ساعة نظريا لكنها تتحول عمليا في غياب نقل عمومي منتظم إلى كراء سيارة خاصة بخمسين دينارافي كل مرة.

العائق الاقتصادي والإداري: حين تتحول “المجانية” إلى استدانة

من الناحية النظرية خدمات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري: فحوصات ووسائل منع حمل ومتابعة حمل وإجهاض في المؤسسات العمومية مجانية بالكامل، لكن ضعف تغطية هذه الخدمات جغرافيا وزمنيا بين طول آجال المواعيد والنقص في الكوادر والتجهيزات يدفع كثيرا من النساء إلى القطاع الخاص حيث ترتفع كلفة استشارة أخصائي أمراض النساء والتوليد بشكل ملحوظ خصوصا مع المراجعات المتتالية لتسعيرة الكشف الطبي. وقد وثّقت تقارير صحفية تونسية حديثة كيف يضطر مرضى من بينهم نساء يبحثن عن متابعة صحية أو فحوصات أساسية إلى الاقتراض لتغطية كلفة العلاج في القطاع الخاص بعد تراجع الخدمة العمومية.

إلى جانب الكلفة المادية المباشرة، هناك كلفة إدارية غير قانونية تتكرر ميدانيا: تشترط بعض المؤسسات الصحية خلافا للقانون الذي لا يفرض ذلك الحصول على ترخيص من الزوج أو الأب لإجراء عملية إجهاض. هذا الشرط غير القانوني يتحول عمليا إلى حاجز إضافي أمام النساء غير المتزوجات أو اللواتي لا يرغبن أو لا يستطعن إشراك الزوج أو الأب في القرار ويحوّل حقا مكفولا قانونيا منذ نصف قرن إلى مسار إداري متعثر يتوقف على تقدير الموظف أو الطبيب المناوب. وتختصر سارة هذه الكلفة الخفية بجملة واحدة: بين كراء السيارة مرتين (100 دينار) وفحص الإيكوغرافي الخاص (60 ديناراً) تجاوزت كلفتها الموثقة 160 ديناراً على الأقل دون احتساب التحاليل المخبرية والحقن التي اضطرت لدفع ثمنها كذلك من جيبها.

كم يعني هذا المبلغ فعليا؟ لتقريب حجم هذه الكلفة، يمكن مقارنتها بمرجعيات الأجر الأدنى المضمون في تونس: يبلغ الأجر الأدنى الصناعي نحو 20.3 دينار في اليوم والأجر الأدنى الفلاحي نحو 21.3 دينارا في اليوم. وفق هذا المرجع فإن المبلغ الذي دفعته سارة من جيبها -160 ديناراً على الأقل- يعادل نحو ثمانية أيام عمل كاملة أي قرابة أسبوعين لمجرد الحصول على تشخيص طبي واحد. هذا يوضح لماذا تصبح “المجانية” عبئا غير محتمل لفئات مثل العاملات بالأجر اليومي أو النساء بلا دخل شخصي مستقل مقارنة بمن يملكن دخلا أعلى أو ثابتا.

عائق الخصوصية والوصم الاجتماعي: الخوف من “الانكشاف”

في المجتمعات الريفية والداخلية الصغيرة حيث يعرف الجميع بعضهم بعضا يتحول مجرد التوجه إلى مركز الصحة الإنجابية أو مندوبية الديوان إلى حدث يراه الجيران والأقارب هذا الغياب شبه التام للخصوصية يدفع كثيرا من النساء والفتيات خاصة غير المتزوجات إلى تجنّب المرفق الصحي القريب من مسكنهن كليا أو السفر إلى مدينة أخرى بعيدة لضمان عدم “الانكشاف” وهو ما يضاعف كلفة التنقل والوقت التي من المفترض أن تلغيها “المجانية” القانونية للخدمة.

يكفل القانون التونسي منذ سبتمبر 1973 حق الإجهاض لكل امرأة بصرف النظر عن حالتها العائلية أو عدد أطفالها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل تشريع سبقت به تونس معظم دول العالم بعقود. غير أن هادية بلحاج رئيسة مجموعة “توحيدة بن الشيخ” الحقوقية كشفت أن نسبة معارضة إجهاض النساء العازبات تصل إلى 40 بالمئة في الأوساط الشعبية وأن قرار الإجهاض “يتحول إلى عملية شاقة صحيا ونفسيا بسبب التضييق على النفاذ إلى هذا الحق“. كما نبهت إلى نفاد متكرر في مخزون وسائل منع الحمل الآمنة مثل حبوب اليوم التالي ومنتجات الإجهاض الطبي وهو ما يؤثر مباشرة على جودة الخدمة المتاحة.

جزء من الأطر الطبية وشبه الطبية يرفض إجراء عمليات الإجهاض انسجاما مع قناعات دينية أو اجتماعية شخصية رغم أن الخدمة قانونية ومكفولة ما يدفع النساء إلى البحث عن طبيب آخر يقبل التكفل بهن أو إلى مصحة خاصة بكلفة أعلى أو إلى التخلي عن القرار كليا. هذا الوصم لا يقتصر على الإجهاض: فالفتيات غير المتزوجات اللواتي يطلبن فحصا نسائيا أو وسيلة لمنع الحمل يواجهن غالبا نظرة استنكار من محيطهن الأسري أو من العاملين الصحيين أنفسهم ما يدفع كثيرات إلى تأجيل الفحوصات أو اللجوء إلى مصادر معلومات غير موثوقة بدل التوجه إلى المرفق الصحي القريب منهن.

عائق الأمية الصحية: معرفة ناقصة عن الجسد والحقوق

يكشف غياب التربية الجنسية الشاملة عن المناهج المدرسية التونسية عن حلقة مفقودة أساسية في منظومة الصحة الإنجابية فالدروس المخصصة لهذا الموضوع حين تُدرَّس تأتي متأخرة وتقتصر غالبا على الجانب التشريحي للجهاز التناسلي دون تناول جوانب الصحة الجنسية والحقوق والوقاية. نتيجة لذلك أظهرت دراسة للديوان الوطني للأسرة أن متوسط سن أول علاقة جنسية بلغ 16.4 سنة لدى الإناث و17.4 سنة لدى الذكور في حين أن 60 بالمئة من الشباب غير المتزوجين الناشطين جنسياً لا يستعملون وسائل وقاية من الأمراض المنقولة جنسيا.

وتؤكد دراسة أنجزتها مجموعة “توحيدة بن الشيخ” على عيّنة من الشباب بين 18 و29 سنة أن 45.8 بالمئة منهم يجهلون الواقي الذكري و54.2 بالمئة يجهلون حبوب منع الحمل هذه الفجوة المعرفية لا تعني فقط ارتفاع مخاطر الحمل غير المرغوب فيه والأمراض المنقولة جنسياً، بل تعني أيضاً أن كثيراً من النساء والفتيات يجهلن أصلاً أن الخدمات التي يحتجن إليها من تحاليل الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية المجانية والمجهولة الهوية إلى وسائل منع الحمل متوفرة أساسا بالمجان في مراكز الديوان فيلجأن حين تتوفر لديهن الإمكانية المادية إلى القطاع الخاص لتفادي الحرج أو الشرح

وسارة نفسها، التي عانت ست سنوات دون معرفة اسم حالتها الصحية لم تسمع قط باسم الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري المؤسسة المفترض أنها الجهة الأولى لتوجيه نساء مثلها رغم إقامتها في منطقة ريفية هي بالضبط الفئة المستهدفة من برامجه.

حين تتجاوز الحاجة قدرة الخدمة على الوصول

ويقرّ الرئيس المدير العام السابق للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري محمد الدوعاجي بوجود صعوبات في الموارد البشرية واللوجستية تعترض عمل المؤسسة فبين 2017 و2024 أحيل 250 عونا على التقاعد دون تعويضهم إلى جانب تقادم أسطول السيارات والبنايات وهو ما يؤثر في قدرة الفرق المتنقلة على الوصول إلى المناطق البعيدة والريفية.

وتزداد أهمية هذا العامل بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الوحدات والقوافل الصحية المتنقلة في تقريب الخدمات من النساء خارج المراكز الحضرية.

ولا تعني هذه الأرقام أن الخدمة غير متوفرة بل تكشف عن حجم التحدي في إيصالها إلى جميع من تستهدفهم فالمسألة لا تتعلق فقط بكون الفحص مجانيا وإنما أيضا بقدرة المنظومة على توفير الموارد البشرية ووسائل التنقل والتجهيزات التي تجعل هذه المجانية قابلة للوصول خصوصا في المناطق الريفية والداخلية.

هذا النقص البنيوي يتجسد بوضوح في تجربة سارة: جهاز الإيكوغرافي بمستشفى باجة العمومي الذي كان خارج الخدمة يوم موعدها وموعد الاختصاصي نفسه الذي يستغرق ما بين ثمانية وعشرة أشهر من الانتظار. “فما شكون يجي هو ديجا عندهم رندفو يستناو فيه” تقول في إشارة إلى قوائم الانتظار المتراكمة التي تجعل من كل تأخير أو غياب لطبيب أزمة إضافية بالنسبة للمريضة. هذا النقص في الكوادر والتجهيزات هو ما يدفع نساء كثيرات حين تسمح لهن الإمكانية المادية إلى “الهروب” نحو القطاع الخاص لتفادي أشهر من الانتظار.

إلى جانب ذلك، يبقى الإجهاض الدوائي الذي يُوصف عالميا بأنه آمن وفعال ويسهّل الوصول إلى الخدمة خارج المستشفيات الكبرى غير متوفر في جميع المراكز الصحية ما يجبر النساء في بعض الجهات على قطع مسافات إضافية أو انتظار مواعيد أطول في المستشفيات الجامعية الكبرى للحصول على إجهاض جراحي بدل إجراء أبسط وأقل كلفة من حيث الوقت والتنقل.

القوافل الصحية المتنقلة: حين تذهب الخدمة إلى المرأة

في مواجهة صعوبة وصول النساء خصوصا في المناطق الريفية والداخلية إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية تمثّل القوافل الصحية المتنقلة إحدى الآليات التي يمكن أن تقرّب الخدمة من مستحقيها بدل أن تتحمل المرأة وحدها كلفة الوصول إلى مركز بعيد.

في جانفي 2024 من ملولة بولاية  «مامو لايف» في هذا السياق انطلقت أولى جولات جندوبة قبل أن تنتقل إلى عدد من الجهات من بينها مدنين وبنزرت وفي جوان من العام نفسه  بلغت القافلة محطتها الخامسة برأس الجبل من ولاية بنزرت وتواصلت التجربة خلال 2025 إذ وصلت القافلة الثامنة إلى النفيضة بولاية سوسة لفائدة نساء من النفيضة وكندار وبوفيشة مع برمجة مواصلة جولاتها في المناطق الداخلية والريفية.

وتكشف بعض المحطات عن حجم الخدمات التي يمكن توفيرها في زيارة واحدة ففي قليبية أنجزت إحدى القوافل 57 مسحة للكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم و170 فحصا سريريا  للثدي و31 فحصا مزدوجا بالتصوير والموجات فوق الصوتية وفي الروحية من ولاية سليانة ضم الفريق ثلاثة أطباء أشعة وأخصائيا في أمراض النساء والتوليد وطبيبا عاما وأكثر من ثمانية قابلات إلى جانب تقنيين في الأشعة ومثقفات صحيات لتقديم خدمات التقصي المبكر لسرطان الثدي وعنق الرحم  في منطقة تبعد أكثر من 60 كيلومترا عن مركز الولاية وهي مسافة تختصرها القافلة بالنسبة إلى النساء اللواتي قد يصعب عليهن الوصول بانتظام إلى مراكز الاختصاص

هذه التجارب تبيّن أن تقريب الخدمة من المرأة ممكن وأن القوافل يمكن أن تكون جزءا من الحل خاصة في المناطق التي تعاني نقص الاختصاصات وصعوبة النقل

لكن يبقى السؤال: هل تصل هذه القوافل بانتظام إلى المناطق الأكثر احتياجا؟ وكم امرأة تنتفع بها سنويا؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى بيانات أكثر انتظاما حول عدد القوافل وتوزيعها حسب الولايات والمعتمديات وعدد المستفيدات ونوعية الخدمات المقدمة فقياس أثر القوافل لا يتوقف عند عدد المحطات بل بمدى قدرتها على تقليص المسافة والكلفة بين المرأة والخدمة الصحية. ومن هنا، لا تبدو الحاجة فقط إلى استمرار هذه التجربة بل إلى دعمها وتوسيعها وتوجيهها وفق خريطة للمناطق التي تعاني أكبر فجوة في الخدمات حتى لا تبقى مجانية الخدمة مرتبطة بقدرة المرأة على الوصول إليها..

كما أن نجاعة هذا الحل مهما بلغت جودته التقنية في يوم القافلة الواحد تبقى مرهونة بانتظامه وشموليته الجغرافية: فتغطية الديوان الإجمالية بما في ذلك أنشطة القوافل لا تتجاوز 7 بالمئة من الفئة المستهدفة وطنيا سنويا في ظل تراجع الموارد البشرية وتقادم أسطول السيارات. حالة سارة نفسها التي لم تسمع قط باسم الديوان رغم إقامتها في منطقة ريفية بولاية باجة تطرح سؤالا مباشرا: هل تصل القوافل مهما كانت نوعيتها حين تُنظَّم إلى مناطق مثل وادي الزرقة أصلا وبأي وتيرة؟ سؤال لا تملك الإجابة عنه إلا بيانات لا تزال غائبة عن النقاش العام: عدد خرجات القوافل سنويا حسب كل ولاية ومعتمدية وعدد المستفيدات منها تحديدا ومدى انتظامها مقارنة بالمخطط لها.

تكشف قراءة العوائق الخمسة مجتمعة أنها ليست منفصلة بل متشابكة: غياب الخدمة في جهة معينة يدفع نحو القطاع الخاص المكلف والكلفة المرتفعة تدفع نحو التأجيل أو التخلي والتأجيل يتفاقم بفعل نقص المعرفة بالحقوق والخدمات المتاحة فيما يضاعف الوصم الاجتماعي كل هذه العوائق عند الفئات الأكثر هشاشة: القاصرات والعازبات والنساء في المناطق الداخلية ذوات الدخل المحدود.

الأرقام الرسمية نفسها من فجوة وفيات الأمهات بين الجهات إلى نسبة تغطية لا تتجاوز 7 بالمئة، مرورا بثمانية أيام عمل كاملة لتغطية فحص طبي واحد تكفي لتفنيد فكرة أن إقرار “المجانية” في القانون كافٍ لضمان النفاذ العادل والشامل الذي تتحدث عنه المؤسسات الرسمية في مناسباتها. سدّ هذه الفجوة يتطلب معالجة الأبعاد الخمسة معا: توزيعا جغرافيا أكثر إنصافا للموارد البشرية والتجهيزات ضمانات إدارية تمنع فرض شروط غير قانونية مساءلة عن رفض تقديم خدمات مكفولة قانونا برامج تربية جنسية شاملة في المدارس واستثمارا حقيقيا في تعزيز قدرات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بشريا ولوجستيا.

وكما اختصرت سارة تجربتها بمرارة: اللي ما عندوش شيعمل منين يصرف.” فالمجانية الحقيقية لا تبدأ عند باب العيادة الطبية بل من الطرقات والوسائل التي تضمن لكل امرأة أينما كانت الوصول إليها بكرامة وبدون أعباء تفوق طاقتها.