full screen background image
   الأحد 14 يوليو 2024
ر

القطاع النافق

رغم محدودية مساحة المياه الاقليمية الا ان الصيد البحري يمثل ثاني اهم قطاع، بعد زيت الزيتون، من حيث توفيره 260 مليون دينار من العملة الصعبة للبلاد التونسية. كما يشغل هذا القطاع الحيوي مالا يقل عن 60 الف ناشط يقتاتون من صيد الاسماك في ظروف تزداد تأزما يوما بعد يوم …امام تهاون الدولة المريب ولا مبالاتها بالتراجع الملحوظ لإنتاج الاسماك و مردودية هذا القطاع نتيجة إهتراء الاسطول البحري والفوضى التي تشهدها موانئنا و استفحال ظاهرة التلوث الصناعي، في الوقت الذي خصصت فيه دول الجوار وزارات خاصة بهذا القطاع ادراكا لأهميته الغذائية والاقتصادية وأحقية الأجيال القادمة بخيرات بلادهم وأمنهم الغذائي.
شهدت العديد من القطاعات الإقتصدية تأزما وتدهورا على إثر تقلبات الثورة التونسية وما لحقها من عدم استقرارسياسي واقتصادي، الا أن أزمة قطاع الصيد البحري ظاهرة للعيان منذ أكثر من عشرين سنة، وباستفحال التهاون والفوضى بتنا نخشى من نفوق هذا القطاع برمّته.
حيث تراجعت مردوديته بسبب الارتفاع المشط للمحروقات وعجز صغار الصيادين عن مجارات الحيتان الجارفة لثروات البحر. فالصيد المفرط وعدم احترام الراحة البيولوجية التي كان من المفروض أن تمنع الصيد في أشهر الشتاء (أكتوبر /نوفمبر /ديسمبر) مثّل أحد أمراض هذا القطاع.
ومثل هذه الممارسات، وإن تشفي غليل المتهافتين على الربح السريع، فإنها أمرضت قطاعا حيويا وستهدد الأمن الغذائي لجيل كامل ممّن يقتاتون من البحر وثرواته.
في بلدان أخرى تحترم أجيالها القادمة على غرار فرنسا يتم إيقاف الصيد نهائيا مدة خمس سنوات في حال الاحساس بخطر تعطيل تكاثر الأحياء البحرية. في حين يعجز الجشعون في هذا البلد عن الصبر لثلاثة أشهر فقط ويكاد الصيد لا يتوقف إلا في حالة تدهور الطقس. أضف إلى ذلك التجاوزات المُبينة في الموانئ البحرية التي باتت تستوعب ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف طاقتها من حيث عدد مراكب الصيد.
ويتكون الأسطول البحري عامة من 10 آلاف مركب صيد يتجاوز سن أغلبها الثلاثين سنة، فهي بالكاد تقدر على الطوفان بجانب الشريط الساحلي في حين لا يتمكن من التوغل في المياه العميقة غير السفن الكبرى التي تجرف محاصيل البحر مما يحد من تكاثر السمك على السواحل القريبة.
ولا يتجاوز عدد السفن القادرة على خوض الأعماق الألف من اجمالي عشرة آلاف مما يضطر من يضيق بهم الصيد على المجازفة والمخاطرة وهو ما يفسر الأنباء المتتالية لغرق البحارة في سبيل القوت.
وما زاد رعب الصيادين هي آثار المواد الزيتية والبترولية التي باتت دهانا لأسماكنا وسببا جليا لنفوق الأسماك التي يقتات من صيدها وإنتاجها 60 ألف ناشط في هذا القطاع.
ورغم كل الوضوح وانتشار بقع الزيت وآثار التلوث الصناعي الجلية فإن المختصين لايزالون ينتظرون نتائج البحوث التي تجرى على الأسماك النافقة.. فتطفوا الأسماك وتُعوّم نتائج البحوث لتبقى الحقيقة جلية في عيون أطفال الصيادين وغامضة ضبابية في التقارير الرسمية التي تخشى تقدم أسماكنا قرابين للحيتان الصناعية التي رضيت بالسواحل التونسية مصبّا لروثها وأبت أن تكون حلا لبطالة أبناء الداخلية.
محمد عاشور