بقلم: محمد عاشور
في إطار إنتاجات شركة “فن الضفتين للإنتاج الفني” وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية، تأخذنا مسرحية «سراب» (سنة الإنتاج 2026، مدة العرض 110 دقائق)، نص فوزية ضيف الله وسينوغرافيا وإخراج حافظ خليفة، في رحلة بصرية وفكرية عميقة إلى عالم من العزلة والخوف؛ حيث تتحول الصحراء إلى فضاء قاسٍ تختبر فيه الشخصيات قدرتها على النجاة ومواجهة ماضيها المثقل بالجراح. فالعمل لا يقدم حكاية للفرجة فحسب، بل يطرح أسئلة حول الحرية والعلاقة بين الإنسان وذاكرته.

تنطلق الأحداث من اجتماع ثلاث نساء في مفترق طرق، بعد أن دفعتهن ظروف مختلفة إلى الهروب بحثاً عن حياة جديدة. لكن عاصفة صحراوية تقطع طريقهن، فتحول رحلة الهروب إلى حصار، وتجد الشخصيات نفسها أمام واقع لم تختره، حيث الجوع والعطش والخوف ومخاطر الألغام. وفي هذا الفضاء القاسي، تتراجع الاختلافات الفردية أمام غريزة البقاء، ويصبح التعاون ضرورة لمواجهة الخطر.

غير أن الهروب من المكان لا يعني بالضرورة التخلص من الماضي. فكل شخصية تحمل حكاية وجرحاً خاصاً، وتجد نفسها مضطرة إلى مواجهة ذكرياتها ومخاوفها. ومن خلال هذه الشخصيات، تفتح المسرحية أبواباً للتأمل في العنف والقهر والقيود الاجتماعية والسياسية.
تجسد ماتيا آثار العنف وفقدان الحرية، بينما تمثل تانيري ابنة الصحراء التي تخوض رحلة صعبة بحثاً عن الخلاص من القيود التي تحاصر المرأة. أما سيليا، فتهرب من علاقة انتهت بالفشل وهي تحمل جنينها، أملاً في بداية جديدة، لكن انفجار لغم يحول حلمها بالأمومة إلى مأساة. ويظهر مصباح، خبير الصحراء والألغام، حاملاً ماضياً عسكرياً ووجعاً شخصياً يرتبط باختفاء ابنته الصحفية في الصحراء. أما طاقع، الذي تؤدي دوره كمال زهيو، فيمثل الإنسان في حالته الغريزية الأولى، حيث يصبح الجسد والحركة وسيلتين للتعبير عن الألم والخوف، في مشاهد تتجاوز حدود الحوار والكلام.
وتحتل الصحراء مكانة أساسية في بناء العرض، فهي ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل في تطور الصراع. إنها فضاء للضياع والخطر، وذاكرة مفتوحة على الحروب والعنف والاستعمار. كما تتحول الألغام إلى رمز للماضي الذي يظل حاضراً، ويهدد كل محاولة للنجاة أو بداية جديدة.

على المستوى البصري، ينجح المخرج حافظ خليفة في بناء فضاء مسرحي ينسجم مع طبيعة النص، من خلال الألوان الترابية للأزياء التي تتلاءم مع البيئة الصحراوية، إلى جانب التوظيف الدال للملابس البيضاء والخلفية العسكرية في شخصية مصباح. كما تتكامل الموسيقى التصويرية لكريم الثليبي مع الإضاءة والتصميم الرقمي لتشكيل مناخ مسرحي مشحون بالتوتر والقلق.
ويبرز الأداء الجسدي لكمال زهيو في دور طاقع، باعتباره أحد العناصر اللافتة في العرض، إذ يمنح الشخصية حضوراً خاصاً، ويحول الحركة إلى لغة تعبيرية موازية للحوار، خاصة في اللحظات الأخيرة من العمل.
في المحصلة، تقدم «سراب» رحلة في أعماق الإنسان، حيث تتقاطع الرغبة في النجاة مع الخوف والذاكرة والألم. وهي دعوة للتفكير في قدرة الإنسان على مواجهة واقعه، وفي صعوبة التخلص من ماض يظل يلاحقه مهما ابتعد عن المكان الذي تركه وراءه.















