full screen background image
   الأربعاء 28 أكتوبر 2026
ر

أين يسير المجتمع؟ جريمة جندوبة تكشف نوعا جديدا من التوحش في تونس

هل يعقل ان يكون التونسي قد طبع علاقته بالعنف واصبحت اخبار الجرائم والدماء مثل رغيف الخبز؟ ان لم يكن كذلك فما سر كثرة الجرائم في البلاد؟ وكيف اصبحت بهذه الفضاعة ولو ان الجريمة هي فعل فظيع مهما كانت الطريقة.. لكن ما حدث مع الموظفة امال الغزواني مؤخرا في جندوبة شرع لنا طرح كل هذه الأسئلة عن اسباب تحوّل بعض الأفراد إلى ارتكاب أفعال بالغة الخطورة، ومدى قدرة المجتمع ومؤسساته على الوقاية منها.

ما يزال التونسيين الى حدود اللحظة تحت وقع صدمة سفاح نابل رغم مرور حوالي 30 سنة عن هذا الملف الخطيى لكنه ظل عالقا في الاذهان لبشاعته وكونه خلف صدمة لدى الجمهور حتى تتالت الجرائم تباعا وتنوعت اساليبها وسط ذهول وصدمة وعجز المجتمع والدولة عن حصر هذه الافة من جرائم «سفاح نابل» «سفاح طينة» بولاية صفاقس جريمة مقتل الموظفة أمال الغزواني بجهة جندوبة وغيرها من الجرائم تضع الجميع اليوم دون استثناء امام حتمية البحث عن الاسباب ومعالجتها بحلول جذرية قبل ان تتحول الطريق العام الى غابة وبيوت الناس الى مسارح للجريمة والمباني المهجورة قبورا.

في جندوبة، أثارت قضية وفاة الموظفة أمال الغزواني صدمة واسعة، على خلفية ما أُثير بشأن الاشتباه في تورّط زميلين لها في الاعتداء عليها وإلقائها في حفرة.

وهي وقائع، إن ثبتت تفاصيلها قضائيًا، تكشف عن خطورة العنف الذي قد يتجاوز حدود الخلافات اليومية إلى اعتداءات تهدّد الحق الأساسي في الحياة وشكلت الأخبار المتداولة عن القاء الضحية في حفرة وهي حية صدمة حقيقية للمجتمع ما يطرح تساؤلات عن وحشية الجناة…لماذا وصلنا لهذا الحد من الوحشية رغم ان القتل في حد ذاته وحشية ناهيك عن التنكيل

ولا تقلّ خطورة عن ذلك الجرائم الجنسية التي تستهدف الأطفال والمراهقين، ومن بينها القضية المتداولة بشأن فتاة تبلغ 15 عامًا تُدعى يقين، والتي أعادت النقاش حول حماية القاصرين من الاستغلال والعنف، ومخاطر ارتباط بعض البيئات بترويج المخدرات أو غيرها من الأنشطة الإجرامية.

لكن خلف الصدمة والغضب، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن أن تتطوّر لدى بعض الأشخاص سلوكيات عنيفة إلى هذا الحد؟ وما دور الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي والمؤسسات المختصة في رصد مؤشرات الخطر والتدخّل المبكر؟ وكيف يمكن تعزيز حماية الضحايا وتشجيع التبليغ عن التهديدات والاعتداءات قبل أن تتحوّل إلى مآسٍ؟

مواجهة الجريمة لا تختزل في المطالبة بتشديد العقوبات كلما اهتزّ الرأي العام، مهما كانت مشاعر الغضب والتعاطف مع الضحايا مفهومة ومشروعة.

فهي تتطلب أيضًا تطبيق القانون، وسرعة إنجاز الأبحاث، ومحاسبة المسؤولين وفق أحكام القضاء، إلى جانب الوقاية من العنف، وحماية الفئات الهشة، ومقاومة المخدرات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية والاجتماعية.

إن خطورة هذه القضايا لا تكمن فقط في فظاعة تفاصيلها، بل أيضًا في ضرورة استخلاص الدروس منها، بعيدًا عن التهويل أو الأحكام المسبقة، ودون تحويل الألم الشعبي إلى اتهامات غير مثبتة أو دعوات تتجاوز ضمانات المحاكمة العادلة.

ليس السؤال دعوة إلى الاستسلام للخوف، بل إلى مواجهة أسبابه بجدية ومسؤولية. فحماية المجتمع تبدأ بكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، والإنصات إلى الضحايا، ومعالجة عوامل الخطر، وترسيخ ثقافة ترفض العنف ولا تتسامح مع الاعتداء على الحياة والكرامة الإنسانية.

فكل ضحية ليست مجرّد خبر عابر، وكل قضية يجب أن تكون مناسبة لمراجعة ما يمكن تحسينه في منظومة الوقاية والحماية والعدالة، حتى لا تتكرّر المآسي، وحتى يبقى القانون ضمانة لحق الجميع في الأمن والحياة.

منى حرزي