full screen background image
   الأربعاء 20 مايو 2026
ر

تجريديات الروح بتقنية اكريليك للفنان التشكيلي محمد المالكي من أجل إنسان متيقظ وحذر

 

التيماء- خاص: حسني

في معرضه الأخير المنتظم برواق الفنون Canvas  بالبلفدير تونس العاصمة من 7 إلى 23 ماي 2026، يقدم الفنان التشكيلي محمد المالكي حصيلة تجربته الفنية الطويلة. وكان الفنان المولود  عام 1951 بزهرة مدنين بعمدون من ولاية باجة، قد نال عضوية الاتحاد القومي للفنون التشكيلية منذ ماي 1978

ولدار الفنون رمزية خاصة في تاريخ معارض الفنون التشكيلية بتونس، على الرغم من أنه تم افتتاحها على يد الشاعر والناقد علي اللواتي في بداية التسعينات من القرن الماضي. وقد احضن الفضاء معارض استعادية لأهم رسامي تونس مثل عمار فرحات وعلي بلاغة وعبد العزيز القرجي والهادي التركي، إضافة إلى معارض عابرة لكبار الرسامين العالمين مثل خوان ميرو وبابلو بيكاسو. وتضم دار الفنون مكتبة وفضاء للعرض مكون من طابقين أضيفت اليه ملحقات أخرى للعرض مثل الهنقار.

ويحاول الفنان محمد المالكي اتباع هذا المسار الخطي التشكيلي لكبار الفنانين من خلال تنويع التجارب ومراكمة التمارين التكوينية على تقنيات ومحاميل مختلفة مثل الباستيل والقماش والورق.. واستعان الفنان بالتكوين العلمي الذي تلقاه في المعهد التكنولوجي للفنون والهندسة المعمارية والتعمير بتونس، إضافة الى حصوله على شهادة التصميم الصناعي دورة جوان 1977. كما خاض عدة تربصات بأوروبا في المصنوعات الجلدية وضبط توجهات الموضة وكيفية نشرها إعلاميا مابين 2000 و2006.

وفي هذا المعرض المقام في شهر ماي 2026، ركز الفنان على تقنية الاكريليك على القماش. ويميل المالكي الى اللوحة المسندية كبيرة الحجم نسبيا، مما يتيح للمتلقي قراءة عرضية مسترخية بصريا غير متوترة تعيده إلى نبض الروح الأولي. ويتماشى هذا التوجه مع طبيعة المواضيع التي يرسمها الفنان المستلهمة من حياة الناس في المدينة وتكوينات النسيج المعماري والبحث عن شفافية اليومي المكرور. ومحمد المالكي في معرضه كان حريص كل الحرص على اتقان مهنته، فقد عايناه مقيما لوحده تقريبا منكبا طيلة المعرض على إضافة لطخات لونية أو تفصيلات تضاريسبة باستخدام أقلام رفيعة الاكريليك ومن النوعية الجيدة. أما بقية الوقت فيقضية بين لوحاته مستقبلا زواره ومعارفه من المثقفين والفنانين والكتاب والصحفيين وكل من جمعته به فصول الدرس أو غاليريهات المعارض والاروقة.

وكلما يوغل محمد المالكي في تجربته التشكيلة، ينحو أكثر باتجاه المدرسة التجريدية، مما يمكنه من توظيف عنصر الحروفية والتشكيل الخطي. وهو في ذلك كله يحاول التخلص من العنصر التزويقي أو الزخرفة الساذجة. على أنه في نفس الوقت يبقى من الفنانيين التشكيليين التونسيين الذين لا يستنكفون من تصوير المشاهد العفوية والاحاطة بالفن الفطري القريب من عامة الناس. فليس بالضروة أن يكون الفنان التشكيلي دوما موغلا في الغموض وملغزا ومشكلا في الفهم وعليه التفطن إلى ان الرسم هو حرفة عويصة تتطلب المهارة والصبر والمداومة. نقول ذلك بعدما لمسنا في حواراتنا مع محمد المالكي انجذابه الأبدي للأحياء الشعبية التي تربى فيها ودرس وخالط مجايليه. ولقد أكد لي مؤخرا أنه يقوم بزيارات عديدة لحي الجبل الأحمر المحبب لديه ولطفولته فهو يخشى أن يفقد منه سكن الا؛ياء الراقية صخب الأحياء الشعبية .

إن الالتصاق الصادق بنبض الشارع جعل محمد المالكي يرسم أعمالا قريبة من نبض المجتمع، مبتعدا قدر الإمكان عن النشاز وتنافر الألوان. ويبدو في مجمل لوحاته المعلقة مدركا لفلسفة الألوان وأصالة الخامة التعبيرية. فالألوان الهادئة تستثير مكامن الطاقة الإيجابية وارتسامات الطفولة والسعادة واللطف.. وهناك تدرجات لونية أخرى تعدل الأمزجة وتوقظ الأحاسيس وتحرك الأفكار الكامنة فينا.

لوحة “رقصة عباد الشمس”، تقنية مزدوجة على قماش، مقياس  على  صنتمتر، هي اللوحة التي تكاد تختزل المعرض المقام وتكاد تكتنف جزء هام من تجربة محمد المالكي في الرسم فهي خليط من التموجات الكاليغرافية و التعرشات البنية المخرمة باللون الذهبي للشمس فلكأنها طغرائية الوجود والانبعاث الروحي الذي لا يهدأ.

ووفق القول المأثور القائل “ليس بالخبز وحده يعيش الانسان”، فإن الحق في التعلم والثقافة والفن ضرورة تأتي في صدارة نشاطات الانسان حتى يبتعد أكثر عن الاقامة السلبية والغريزة الحيوانية البليدة الجوفاء.

ويعيننا في فهم العمق الفلسفي للمعرض، كاتالوغ “بين التشكيل والشعر.. أشعار بعد الستين” نشر محمد المالكي مرفقا بالمعرض بدعم من الصندوق التشجيع على الابداع الادبي والفني، تونس 2026. ويحتوي الكاتلوغ على أشعار حبرها محمد المالكي ليقدم المزيد من الإضاءة للمتلقي في فهم المعروضات وفهم قصدية الفنان.

ولم يغفل محمد المالكي انه يكتب بريشة الشعر النزق وهو واعي تمام الوعي في كتاباته ورسوماته أن الفنان قد يغترف من مناطق شيطانية ماكرة، غير أنه في النهاية لابد أن يمارسة عودة سيزيفية ليقول لنا صفوة الكلام “لقد أطللت على الضفة الأخرى المرعبة من الأقاصي”. وذلك هو دور الفنان المتبصر لمحنة عصره والمتابع لشؤون جيله والمنصت لاخباره بالتفصيل الدقيق.

ويمكن اعتبار ان القصائد التي كتبها محمد المالكي، معبرة عن النضوج والاكتمال فهي مكتوبة بلغة بسيطة لماحة من شأنها تبئير القيم المثلى والأعراف الإنسانية الحاثة على حب الوطن واعلاء قيمة الوالدين وابراز دور المرأة  السرمدي في منح دفق الجمال والحنين. وفي بعض القصائد ينتصر الفنان دون أدنى تردد أو تراخي لقضية لفلسطين العادلة ويسخر من قوى الظلامية والرجعية وغياب العدالة.

ان كل تلك القيم هي قيم عليا تشترك فيها معظم شعوب العالم مهما اختلفت ألسنتها، وبطريقته الذكية اللماحة يقحمنا الفنان محمد المالكي في أتونها ويجعلنا نفكر فيها باستمرار مهمها كثرت الشرور والجرائم. فلقد كتب الروائي الامريكي الشهير هنري ميلر كتابا كاملا حول الشيخوخة وسن الثمانين وقص علينا بالسرد وبنفس شعرية طافحة تجربته المريرة في الحياة. وكتاب هنري ميلر عن التقدم في السن والاطلالة على ذرى الحكمة هو  أجود ما كتب في الأدب العالمي الذي ترجم الى عشرات اللغات الأكثر مقروئية في كوننا المعاصر وذلك بشهادة أمهر نقاد الأدب المرهف وعمالقة جماليات الذوق الحسي.