تعتبر ظاهرة العنف ضد المرأة في العالم وفي تونس من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيدًا وإثارة للقلق إذ تمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان وتهديدًا مباشرًا لكرامة المرأة وسلامتها الجسدية والنفسية.
ورغم التطور التشريعي والوعي المتزايد بقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية، فإن هذه الظاهرة ما تزال حاضرة بأشكال متعددة، تتراوح بين العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي وصولًا إلى العنف الرمزي والاجتماعي.
وحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية التى تشير إلى أن نسبة كبيرة من النساء حول العالم تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال حياتهن، وغالبًا ما يحدث ذلك داخل المحيط الأسري أو في علاقات قريبة، ما يجعل الكشف عنه ومعالجته أكثر تعقيدًا.
فالعنف لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل أيضًا الإهانة والتهديد والضغط النفسي والحرمان من الحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية.
وعلى مستوى التشريعات، شهدت العديد من الدول تطورًا ملحوظًا في سنّ قوانين تهدف إلى حماية النساء من العنف وتجريم مرتكبيه. ففي تونس ،تم اعتماد القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والذي يعدّ خطوة مهمة في الاعتراف القانوني بمختلف أشكال العنف وتوفير آليات للحماية والدعم.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود النصوص القانونية، بل في مدى تطبيقها بفعالية وتعزيز الوعي المجتمعي بها.
أخر الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن بينت أن الخط الأخضر 1899 الخاص بالإنصات والإرشاد وتوجيه النساء ضحايا العنف تلقى خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي 2025 إلى 31 ديسمبر 2025، 7397 إشعارا، من بينها 4485 إشعارا يتعلق بالعنف ضد المرأة. وهو ما يعكس في جانب منه استمرار الظاهرة، وفي جانب آخر ارتفاع مستوى الوعي لدى النساء بحقوقهن وبآليات التبليغ.
من جهة أخرى، لعبت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا في التعامل مع هذه الظاهرة. من ناحية ساهمت في كسر حاجز الصمت وتسليط الضوء على العديد من قضايا العنف، ما شجع عددًا أكبر من النساء على التبليغ. ومن ناحية أخرى، كشفت هذه المنصات عن حجم العنف الرمزي واللفظي الذي تتعرض له النساء في الفضاء العام والافتراضي، وهو شكل من أشكال العنف الذي بدأ يحظى باهتمام متزايد في النقاش العام.
رغم ما شهدته تونس من تطور في المنظومة القانونية المتعلقة بحماية المرأة، خاصة بعد صدور القانون الأساسي عدد 58 وإحداث مراكز الإنصات والإحاطة بالنساء ضحايا العنف التابعة لـوزارة الأسرة فإن العديد من النساء ما زلن غير قادرات على التبليغ عن ما يتعرضن له من اعتداءات.
ولا يرتبط هذا العزوف عن التبليغ بضعف الوعي بالحقوق أو بغياب الأطر القانونية، بقدر ما يرتبط بثقل الضغوط الاجتماعية والخوف من الوصم ونظرة العائلة والمحيط. ففي كثير من الحالات، تجد المرأة نفسها أمام معادلة صعبة بين الدفاع عن حقها في الحماية والكرامة، وبين الحفاظ على صورتها الاجتماعية وتجنب ما قد يترتب عن التبليغ من تداعيات داخل الأسرة أو المجتمع.
وتظل مسألة “الفضيحة” أو “كلام الناس” عاملاً رادعًا قويًا يدفع العديد من الضحايا إلى الصمت، حتى في الحالات التي يكون فيها العنف شديدًا ومؤثرًا على حياتهن الجسدية والنفسية. وتكشف إحدى الشهادات التي تحصلنا عليها عن جانب من هذا الواقع المسكوت عنه. فقد أفادت امرأة – فضّلت عدم الكشف عن هويتها – بأنها تعرّضت إلى العنف من قبل زوجها وهي في فترة الحمل، وهو ما تسبب لها في الإجهاض وخلّف لديها آثارًا نفسية عميقة لا تزال تعاني منها إلى اليوم، رغم مرور سنتين على الحادثة. وأضافت أنها لم تتقدم بشكوى ضد زوجها، ليس لجهلها بحقوقها، بل بسبب مركزها الاجتماعي وخوفها من نظرة العائلة والمجتمع في حال الكشف عمّا حدث.
وتعكس مثل هذه الحالات أن العنف ضد المرأة لا يرتبط فقط بالفعل العنيف في حد ذاته، بل أيضًا بالمنظومة الاجتماعية التي قد تدفع الضحية إلى الصمت والتعايش مع الألم بدل البحث عن العدالة. وهو ما يطرح، مرة أخرى، ضرورة العمل على تغيير العقليات وتعزيز ثقافة التضامن مع الضحايا، حتى لا تبقى القوانين المتقدمة عاجزة عن بلوغ أهدافها في الواقع.
إن معالجة العنف ضد المرأة في تونس تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تشمل أيضًا العمل على تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة والاحترام المتبادل داخل المجتمع. ويبدأ ذلك من المدرسة والأسرة، حيث يتشكل وعي الأفراد بقيم العدالة والمساواة، وصولًا إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية التي تلعب دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الصورة الاجتماعية للمرأة.
ويبقى العنف ضد المرأة مؤشرًا مهمًا على مستوى تطور المجتمع واحترامه لحقوق الإنسان.
أميمة علية















