full screen background image
   السبت 4 أبريل 2020
ر
للمجموعة الشعرية " بجناح واحد... أطير"
للشاعرة سونيا عبد اللطيف

قراءة نقدية للأديبة منوبية غضباني للمجموعة الشعرية ” بجناح واحد… أطير” للشاعرة سونيا عبد اللطيف 

الأديبة والناقدة منوبية غضباني تونس

الأديبة والناقدة
منوبية غضباني
تونس

المجموعة الشعرية ” بحناح واحد… أطير” للشاعرة سونيا عبد اللطيف التي جاءت جميع نصوصها في جنس الومضة الشعرية المكثّفة أو ما نسميها القصيدة المضغوطة والقصيدة الكتلة المركّزة المكثّفة وهي تسميات أخرى لها وقد عرّفها النّقّاد والباحثون في الشّأن الأدبي بأنها شكل من أشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث معبّرة عن هموم الشاعر  وآلامه مناسبة في شكلها مع مبدإ الإقتصاد والاختصار الذي يحكم نمط الحياة المعاصرة ومتطلّباتها وقد راجت في السّبعينات… أوّلا يمكن أن يكون سبب قصيدة الومضة الميل إلى الرّاحة أو الإفلاس.. وربما الضّغط النّفسي الرّهيب الذي يعيشه الفنّان والمثقّف والإنسان العربي هو السبب الأساس.. فربّما كانت هذه الدّبابيس والقنابل الصّغيرة أو القصيرة المتفجّرة وسيلة جديدة تُوصل إليه الرّسالة  وتهزّ فيه مناطق الاستنقاع وأصقاع البرودة والتّرهّل والتّيه – القولة لقويدر العبادي .. ومن أهمّ روّاد كتابة الومضة  أحمد مطر –  مظفر النّواب – سيف الرحمي… ويقول في هذا المجال يوسف الخال : ” نحن نجدّد الشّعر لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحن نجدّد لأنّ الحياة بدأت تتجدّد فينا أو قل تجدّدنا.. فنجاحنا مؤكّد ولا حاجة لنا بأيّ صراع مع القديم – القافية التقليدية ماتت على صخب الحياة وضجيجها والوزن الخليلي الرّتيب مات بفعل تشابك حياتنا وتغيّر سيرها وكما أبدع الشّاعر الجاهليّ شكله الشّعريّ للتّعبير عن حياته علينا نحن كذلك أن نبدع شكلنا  وجنسنا الشعري للتّعبير عن حياتنا التي تختلف عن حياته “
إذن يمكن القول بأنّ انخراط الشّاعرة في جنس الومضة الشعرية هو مواكبة للحداثة في الشعر وهو اختيار يبتعد عن الأنساق المألوفة…
وفي قراءة متواضعة منّي في ديوان الشاعرة سونيا عبد اللطيف “بجناح واحد … أطير ” وقفتُ على عمق حسّها الوجداني الوطني الإنساني.. وقد اتّسمت كلّ ومضات ديوانها بتوصيف مجازي استعاري وترميزي جيّد .. معجمها اللغوي اتّسم برهافة حسّها أيضا  وعمق بلاغة ، وقد اتّسم هذا الديوان بكلّ نصوصه ذات الجنس الومضة ب :
1- جماليّة الأسلوب وعمق المضمون
2- دقّة في اختيار الألفاظ البديعة القويّة ذات العمق الدلالي..
3- اعتماد التّكثيف والاقتصاد في العبارة واللامبشارتية..
4- عمق العلاقة بين المضمون مع جذورها وتاريخها وإنسانيتها فسونيا عبد اللطيف  في مجموعتها الشعرية هذه تجلّت بكلّ كينونتها الإبداعية الخلاّقة ويتميّن ذلك في إنجازها الذي يضمّ 185 ومضة موزّعة على أكثر من 100 صفحة..
بدءا بالعنوان الذي يعتبر من أهمّ عتبات الديوان وومضاته ، فإنّ الطّيران بجناح واحد هو عنوان على الدلالة ممتدّ في المعنى العميق للتّحدي وكسر كلّ العوائق ، فهي قد حدّدت الدّلالة التي توحي  بقدرتها والتي ستكون مركز ارتكاز لبؤرة ومضاتها وكأنّي بها تعطي المعني الذي على منهجه ستطير بجناح واحد محلّقة بنا في عوالم مختلفة من إنسان وفضاء وطير ولون وفصل وظنون ومخاوف.. عل حدّ قول الناقد الجزائري محمد الصديق بغورة الذي قدّم لها هذا المنجز الأدبي القيّم بقوله : في هذا الديوان حاورت شاعرتنا عوالم مختلفة من إنسان وفضاء وطير ولون وفصل وظنون ومخاوف …
وسأقتصر على بعض الومضات من حيث أبنيتها الشّكليّة والدّلاليّة .
وزّعت الشاعرة سونيا عبد اللطيف مجموعتها الشعرية “بجناح واحد… أطير ” إلى 13 جناحا.. وجاء في جناح الأحلام الومضة الآتية:
1 – جناح واحد
 تحلم
بجناح واحد
تطير
طيور أبابيل
ترميها بحجارة
الحين بعد الحين
فالجناح وهو بؤرة النص يحقق اتساقا في تعميق وتوسيع دائرة المعنى وتوظّفه الشاعرة سونيا توظيفا محكما يوفر الإيحاء وتوصيل الدلالة دون الإشارة لهذا بشكل مباشر لأن الومضة الشعرية دفق عال من الإحساس… وكأنها تُحيلنا على ما يغفو في أعماقنا من مكبّلات وعوائق لم تثنها من التّحدّي ثم إن ذكرها لطير الأبابيل تنزّل وفق ما احتلّه الطير في الموروث الموثولوجي لدى الشعوب رمزيّة ودلالة واختيارها لطير أبابيل جاء منغرسا في موروثنا الديني وقد أعطى تجليّات للمعنى…
2 – اتحاد
هو في السماء
هي على الأرض
يطير
تسير
هب إعصار
يتعانقان بين فنن
الأشجار
في هذه الومضة ترميز عميق لهذا الامتزاج وحالة الاتحاد بين من يسير ويطير .. وقد وقفتُ هنا على اقتدار الشاعرة وقدرتها على التكثيف والاختزال بما يعطي للمعنى روحا.. ففي هذه الومضة تفاعل بين المفردات حقق الانفراج في قولها ( يتعانقان بين فنن الأشجار) عند هبوب الإعصار..
وفي رؤى مختلفة لهذه الأجنحة المنكسرة المستكينة الصامتة التائهة المسافرة تجيء الومضات باهتياج وبنوازع روح الذات الكاتبة بخلفيّاتها .. بمخاضها العسير .. متغلغلة في أسرار الحياة بأفراحها وأحزانها وانكساراتها معلنة الانعتاق والمحبّة والسّلام…
3 – ولادة
لا الزمان زمانها
لا المكان مكانها
طائر الفينيق
متى شاء..
يستفيق
في استحضار الشاعرة لطائر الفينيق الذي يحترق ومن رماده ينبعث من جديد هو إجادة للتكثيف والاكتناز تدليلا للرفض والتحدّي والتّوق للحياة والحريّة..
4 – فدية الجمال
صاحت اليمامة:
فكّوا عنّي الشّرك
لم أوقعتم بي في الشّبك
ردّ الصيادون:
كوني البوم أو الغراب
أطلقناك سرابا
هذا النص وامض بوعي شعري عميق وبحالة تأملية عميقة وقد صيغ بأعلى قدرات الاختزال والتكثيف وجاءت خاتمته مذهلة تحتكم العمق والادهاش وتحيل على دلالات وتأويلات شتى لمتلقيها في إطلاق اليمامة سرابا بعد أن اقترحوا تحريرها من قيدها وبمقايضة لا يقبلها إلا اللئيم.. وقي هذا معنى عميق ودال ما يمكن تحريره في صفحات…
5 – سعادة
الخزانة مغلقة
ضاع مفتاحها
وحده العصفور في قلبها
يخفق
شاديا
هناك تلميح ضمني للضغط الذي يعيشه الشاعر وكأنّي بها خناجر تمزقه وأسلحة فتاكة تطيح بما يتسربل في روح المثقف والفنان والشاعر.. فالعصفور توسل رمزي فائق يهزم ما يكبل روح الشاعر من محبطات وقد وقفتُ على اقتدار رهيب لسونيا في هذه الومضة  من حيث صياغتها فقد عبرت عن عالمها الطليق… الحبيس .. الكسير  بجمالية مدهشة وكأنّي بها تقول .. هذا القلب يشدو رغما عن أنوفكم..
6 – التماثيل
الساحة العامة
تعجّ بالتماثيل
جميع الأيادي تعجن
الطين
في الومضة مضمون محدد قدم بطريقة ايحائية يوحي بما اعترى التماثيل من مسخ في التاريخ الموجع فقد صارت خارج التاريخ.. فقد عمدوا الى كتابة أسمائهم  وتاريخهم فيها وطوعوا الأيادي والطين.. أراها عميقة هذه الومضة ومن صميم واقع سياسي متمرد مرتد مترهل.
7 – شمس
غشاوة تحجب الغيون
نار توقد الصدور
كون يلفه ضباب
شمس وغياب
رأيتُ هنا تحريفَ مالا يمكن بغية تحريكه وتحويله من مجاله المثبت والجامد إلى مجاله الرؤيوي الحيوي..ومضة صيغت من جدائل زمننا المعفر بكل الانكسارات تؤشر فيها الشمس في الغياب وما حجب العيون  من غشاوة رغم أشعة الشمس الحارقة في تاريخ الحزن في هذا الوطن..
وفي مواضيع أخرى من الديوان نلاحظ تنوع المضامين المنبعثة من مخاض عسير المنبثقة من تفكير عميق ودلالات إنسانية  في أبعادها الفردية والجماعية .. مناهل الوطن والحب الخفي  واهتمامات تفاعلية مع احتدامات سيكولوجية ما بين الرقي والتدحرج الذي يقف بينهما برزخ من الصراعات ( الويل لليل إذا لم ينجل / لن يعسعس صبح/  ولا ظلام ينتهي ) توعد لليل … ( رجّة تحت الأقدام/ زلزال/ ثور وسط الميدان/ جمهور ومهرجان/) …
صور شعرية وتراتيل مخفية ومعلنة تساوقها حركية بانسجام الأفعال المضارعة ااتي تؤكد إشراقة المستقبل ( يمرّ.. ينزل.. يريد.. تستمتع.. تغني.. تجمع..تسعى..تطارد..)
لتشي بالحال ..
وفي مواضيع أخرى هنالك استعمال للجمل الاسمية حيث يفترض بعض النّقاد أن الاسم يكون أكثر صلابة وفقا للدراسات النفسية للكتاب وأن الفعل أكثر لينا وما إلى ذلك من رؤى.. (الوردة لا تريد بستانيا..زهرة دفلى تزيّنت.. البحر عين السماء.. غشاوة تحجب العيون.. )
 سونيا عبد اللطيف تتبدّى في الديوان التأثير العقائدي في اقتباسات عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرقة إذ نجد ألفاظا مثل : طيرا أبابيل.. حمالة الحطب.. مريم العذراء.. حيّ على الصلاة..حيّ على الفلاح.. التفاحة.. الخطيئة.. آدم..حواء..الله علم بالقلم..يعسعس..
وأنهي القول فأقول أن المجموعة الشعرية ” بجناح واحد… أطير” ارتسمت بالحس العميق ولم تنفصل الشاعرة عن جذورها وعن الطبيعة وقوانينها ونواميسها حيث جاءت مؤثثة بالبحر.. بالجبل.. بالمطر.. بالغيب.. بالقدر.. بالطيور والزهور.. بالنوارس والحرية…
وقد أبانت فيها عن اقتدار وحرفية بأسلوبها المتميز مما حقق  التناغم بينها وبين الحوليات الوجدانية الإيجابية  العميقة التي أيقظت في المتلقي الطموح والتحدي والرغبة في الانعتاق من كل المكبلات والعوائق…
تمنياتي للصديقة الشاعرة سونيا عبد اللطيف وأرجو لها المزيد من التألق والنجاح نحو الأفضل في انتظار أعمال جديدة لها …
تحيات الأديبة والناقدة
منوبية غضباني
تونس