full screen background image
   السبت 31 أكتوبر 2020
ر

التّعري و المسرح و الجدل الضائع

منذ مدة و تحديدا في عام 2014 أثارت مسرحية ” بيت المعالجة ” The Curing room ( أي بيت تدخين اللحوم ) للمخرج البرتغالي جوا دي سوزا Joao de Sousa عن نص للكاتب المسرحي البريطاني David Lan Lee على الخشبات اللندنية جدلا كبيرا في الأوساط الثقافية و السياسية البريطانية. وتحول هذا الجدل إلى نقاش سياسي في مجلس العموم البريطاني بعد أن اشتعلت صحافة التابلويد بمقالات حول هذه المسرحية تحت عناوين بارزة وصفت العرض بالفضيحة. والمسرحية تروي حكاية ضباط و عساكر ألمان تم أسرهم و حجزهم من طرف قوات التحالف و سجنهم في حدى الأديرة في بولونيا بعد تجريدهم من ثيابهم في مكان مغلق بلا أكل و لا أي شيء إلى درجة النسيان, و تروي المسرحية أن هؤلاء الرجال العراة عندما جاعوا انقلبوا على أنفسهم لإنتخاب أضعفهم ليأكلوه وهكذا بدأت عملية الإنتخاب القاسية , لكي ينقض الواحد على الآخر ليلتهمه من شدة الجوع. النقاش الذي حدث في بريطانيا حول المسرحية لم يكن معنيا بأن يرى المشاهد ممثلين عراة تماما على الخشبة فهذا عادي لإن السند التاريخي الذي اعتمدته المسرحية حقيقي في تاريخ نهاية تاريخ الحرب العالمية الثانية و تحديدا عام 1945 , و لكن النقاش انصب حول بشاعة المشاهد المتعلقة بأكل لحوم البشر Le cannibalisme , وهي مشاهد تكاد تكون واقعية بل مفرطة في الواقعية إلى درجة أن العرض كان عبارة على مجزرة بشرية مروعة, و لم يكن النقاش حول العري و التعري كــ ” فضيحة ” مثلما وصفتها بعض الصحف, بل الفضيحة الحقيقية هي كيف يكون المسرح موغلا في هذه القسوة المشهدية, و كيف يكون ” فعل” أكل لحوم البشر فوق المسرح هو إعادة إنتاج لهذا الفعل ” البورنوغرافي ” الصادم للذاكرة البريطانية نفسها, حين يكون السؤال الجوهري يحوم حول مدى القسوة التي تحلى بها البريطانيون في ترك الجنود الألمان على تلك الحالة و دفعهم إلى التجرد من كل نفس إنساني يحترم ” حقوق الإنسان ” خاصة و أن أيديولوجيا العالم الحر الذي يمثله التحالف وقتئذ كان يروج على أن النازية هي أقصى درجات العنف والوحوشية و القسوة, والفضيحة هو كيف تم إهمال هذه الواقعة التاريخية و إخفائها عن البريطانيين حتى أن النقاش تحول إلى جدل حول مراجعة الذاكرة الجمعية البريطانية فيما يتعلق بتاريخها الحديث والمعاصر … و نعتقد و نحن نتابع الجدل حول حادثة تعري الممثل فوق خشبة المسرح البلدي في المسرحية الألمانية – السورية في مهرجان أيام قرطاج المسرحية, و ردّة الفعل العنيفة حول نص التوضيح الذي نشرته الهيئة المديرة للمهرجان ,والذي اعتبر توضيحا رجعيا يتعارض مع مبدإ حرية الإبداع و التعبير,و نود الإشارة إلى أن نص البيان لم يعارض المسرحية وفحواها ولم يمس في نظرنا بالمبدإ السّامي لحرية التعبير والإبداع التي كفلها الدستور بل وضح إلى أنه عبر عن تفاجئه حيال العرض الذي كان من الممكن أن يضمن على الأقل شروط عرضه للجمهور كأن ينبه أنه عرض محضور على الصغار في السن أو يحتوي على مشاهد قد لا يتقبلها المتلقي, علاوة على إشارته لخرق الفرقة للإتفاق الأخلاقي الذي بموجبه إلتزام أصحاب العرض بما وعدو به من خلال الفيديو الخالي من لحظة التعري التام فوق الركح والذي بموجبه تم ترشيحه في البرمجة الرسمية لعروض المهرجان, وهذا أمر طبيعي وبديهي ومعمول به في المهرجانات والمسرحيون على دراية بهذا الأمر وهو الإلتام بفحوى العرض المقدم في ملف الترشح. وبالرغم من أنني لم
أشاهد العرض المتعلق بمسرحية ” يا كبير ” لهذه الفرقة السورية الألمانية وبالرجوع إلى حادثة التعرّي على المستوى المبدئي في المسرح, فإني أعتبر أن المسرح أصلا هو فن التعري بامتياز بالمعنى الحرفي والاستعاري لأن الفن لا حدود له ولا رقابة على فضاءاته الفكرية و الجمالية. وبخصوص التعري الجسدي الحقيقي فهذا أمر أساسي في المسرح خاصة و أن رأس المال الرمزي هو جسد الممثل شريطة أن يكون هذا التعري مبررا و مقصودا من الناحية الدرامية والجمالية ولا نقاش في ذلك ولا مزايدة, وإلا تحوّل التعري في المسرح إلى جنس فرجوي آخر هو أقرب لفن “الستربتيز” Strip-tease و هذا أمر آخر . و في خضم هذا الجدل الفوضوي القائم حول هذه الحادثة المنقسمة بين معارض لما حدث لأسباب أخلاقية أو أخلاقوية وبين مساند و مدافع على ” فعلة” الممثل السوري في العرض, فإن أمرا ثابتا يرتسم في هذا الجدل, وهو جدل صحي لا محالة, و هو أن مسألة تصوير الجسد لا تزال تشكل محرما من المحرمات أو التابوهات التي لا تزال تحكم ثقافتنا المعاصر وذهنياتنا العميقة وأحكامنا الانفعالية التي لا تزال مجردة من العقلانية التي تنزل الحدث في دائرة الجدل الرّصين فهما وتفهّما, وهو أمر ينسحب على الشقين من المناوئين والمدافعين عن الحادثة, حادثة التعري. إن سلطة الإزدواجية المرضية لا تزال متحكمة في عقولنا وآرائنا وأحكامنا حين ننزلق وبشكل لا إرادي للشتم والتخوين والتشهير والشيطنة و السعي إلى إستثمار هكذا حادثة لأغراض سياسوية تذكيها الجموع الإلكترونية في الميديا الجديدة المشرعة عل كل أنواع التهافت و التجييش. والحال أن هذه ” الحادثة ” في حد ذاتها بإمكانها أن تكون منطلقا لحوار جدي حول مسألة المحرّمات في الإبداع والفن في بلادنا. و لكن يبدو أن ثقافة ” البوز ” Buzz أي ثقافة الطنين في الآذان, قد فعلت فعلها في الأذهان وفي العقول حتى لم نعد قادرين على إقامة نقاش فكري جديّ بجمل و آراء رصينة و مفيدة حول مثل هذه المسائل الخطيرة . إنني لا ألوم الأخلاقويين و من شابههم من الطهرانيين فالحادثة غنيمتهم المفضلة للمزايدة بشعارات إفساد المجتمع, و لكنني ألوم المتنورين المدافعين عن الحريات حين يتغاضون عن الحقائق وهم يدركون أن مجتمعنا التونسي لا يزال في غالبيته لم يحقق الشروط كاملة لاستقامة الاستعداد لتقبل فكرة أن هذا العري أو التعري ليس خدشا للأخلاق وليس عريا محمولا على الحقيقة أو مقصودا قصدا غرضيا بل إستعارة من استعارات الفن و الإبداع, و يتناسون أنه في عقر المؤسسة الجامعية وتحديدا في معاهد الفنون الجميلة قد تم التخلي على رسم ” العري ” Le Nuكموضوع أساسي في التدريب على التصوير و الرسم أمام نموذج حي عار model عادة ما يكون من الطلبة أو من أشخاص تتم دعوتهم للمثول أمام تمارين الطلبة لفن الرسم وذلك منذ بداية السبعينات, و لم أسمع مرة دعوة صريحة و جدية لاستعادة هذا التقليد البيداغوجي في معاهد فنوننا, بل أعرف حتى من المدرسين من أقلع عن فن الرسم و التصوير هاربا إل الخط العربي و الحروفية والفن التجريدي درءا للتشخيص عامة في فن الرّسم. كما يتناسى هؤلاء ” المتنورون ” سلسلة من الحوداث الواقعة في تاريخ ثقافتنا المعاصرة القريبة الي كشفت حجم النكوصية و الارتداد عند البعض من التونسيين حين يكون الأمر محمولا على مقاربة المقدس في أوجهه العديدة, و أذكر هنا و ما بالعهد من قدم بحادثة شريط ” برسبوليس ” Persipolis وحادثة معرض العبدلية و غيرها وصولا إلى رقصات رشدي بلقاسمي و عنوان مسرحية نجيب خلف الله الكوريغرافية ” ألهاكم التكاثر ” التي دفعت بمخرج تقدمي مسؤول عن مؤسسة رسمية للمسرح من إلغاء عنوان العمل بالعربية المستلف من مدونة القرآن و الاكتفاء بالعنوان الفرنسي … هؤلاء المتنورون المدافعون عن الحريات في الفن يكتفون بالتنديد ولا يفعلون شيئا لتهيئة الذهنيات في المجتمع لتغييره, فأغلبيتهم في أقصى التقدير ” يتبهنسون ” ( كما نقول بالعامية ) مختبئين وراء ألواح حواسيبهم ومواقعهم
الفايسبوكية و وراء سبابتهم التنديدية ليستعرضوا تقدميتهم المزيفة التي لا تُغني من جوع بل تزيد من تهميش الموضوع دون ترقيته لمستوى النقاش العمومي الجاد. إن استقراء الردود على ما حدث في العرض السوري الألماني المعروض في البرمجة الرسمية في مهرجان أيام قرطاج المسرحية يؤكد لنا مرة أخرى أننا لم نتغير كثيرا على غيرنا من المجتمعات العربية التقليدية في علاقتها بــ ” المقدس ” و المحظور ” والجسد عامة متخيلا كان أو حقيقيا ملموسا في حياتنا , كما يذكرني بحادثة شبيهة حدثت في إحدى المهرجانات المسرحية في بغداد حين تعرت الممثلة المسرحية و الراقصة الكوريرافية اليابانية ميناكو ساكي Minako Sake ( و هي قادمة أيضا من برلين ) في آخر العرض الذي قدمته أمام جمهور ،، الأعيان ،، الحاضر لمشاهدة العرض و تقريبا بنفس التفاصيل التي حدثت عندنا في المهرجان حينما لم تلتزم هذه الفنانة بالعقد الأخلاقي المبرم المثبت في ملف الترشح فحدث ما حدث و هذا أمر يحدث دائما , بل أمر عادي سيحدث مرات عديدة مستقبلا . أجل الفن المسرحي سيظل في قلب النقاش لأن المسرح بطبيعته فن إنفلاتي مخاتل ” نسناسي” بامتياز , لكن الأهم من كل ذلك و هذا الكلام موجه للمسرحيين و أعتقد أنني أنتمي لهذه العائلة المسرحية افتراضيا لا افتراصيا عنكبوتيا أن يعملوا ما في وسعهم في تغيير الذهنيات حتى لا يكون ما حدث بمثابة كارثة قيامية و حتى و إن بدا لهم التوضيح الصادر عن هيئة المهرجان بيانا يمكن تأويله كتنازل … و أعود إلى موضوع التعري على خشبة المسرح و هذا هو الأهم لأقول أننا كتونسيين و كعرب لم نؤسس بعد هذه الثقافة الذهنية الجديدة التي تعتبر التعري تجل من تجليات إشراقات الفن , و أن ثقافات أخرى تجاوتنا بأشواط في سعة صدر هذا التقبل التلقي و أن تعري الممثل البولوني الكبير كريستوف شيزلاك Ryszard Cieslak في مسرحية ” الأمير الخلد ” Le Prince Constant عن مسرحية كالديرون دي لاباركا للمخرج العبقري جيرزي غروتفسكي Jerzy Grotowski هو تعرٍّ مُستند لصورة تعري صلب السيد المسيح في الثقافة اليهودية – المسيحية في حين أننا لا نتجرأ في تصوير الصحابة و الأنبياء في تصاويرنا الثابتة و المتحركة. فطوبى للممثل السوري المتعري على خشبتنا الذي خاتلنا و هرب إلى منفاه … الآن , الآن لنفتح أبواب نقاش جديّ .