full screen background image
   الثلاثاء 23 يوليو 2024
ر

المترو عدد 4.. يوميات مواطن تونسي في غربة بلاده!


بقلم: إسكندر نوار

عند الساعة الرابعة مساء بتوقيت العاصمة تونس، يقف السيد المولدي التومي بمحطة الباساج، منتظرا ” سفينة نوح” على حد تعبيره، الناقلة الخضراء أو الميترو عدد 4 لينتقل من وسط العاصمة إلى ولاية منوبة التي تبدو على حد إعتباره ونظرا لرحلاته اليومية، أبعد من جل العواصم الإفريقية.

اعتبار المولدي هذا لم يأتي بناء على مستوى الجغرافيا، وإنما على مستوى الحيز الزمني التي تستغرقه سفن النقل العمومي في الوصول، وقد تكون السفن الشراعية بحركة الرياح أسرع من سفن النقل العمومي المتطورة.
يا ليتها كانت سفنا يقول المولدي، ويستحضر في نفسه لحظات بعض المشاهد السينمائية التي تتحدث عن زمن الجاهلية، والتي يسافر فيها العرب من الشام إلى مصر عبر القوافل التي تستغرق أشهر، وهي نفسها الطريقة التي يراها المولدي أكثر متعة من السفر عبر المدرعة الألمانية عدد 4.

محطة “الجمهورية” حساب الخلق وتدجين العباد…

يقف المولدي بجسده النحيف وقامته الطويلة بعد إتمام دروسه بإحدى المعاهد الثانوية وسط العاصمة، يكتسي سترة سوداء وبنطالا أزرق اللوان حاملا في يده محفظته، بوجهه الداكن لعدة أسباب.
من الأشياء التي حرقت وجه ساحرنا المولدي هي السجائر المهربة التي صارت هي الفاصل المشترك بين الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى، نعم في الوقت الذي بات فيه إحتكار السجائر التونسية فاعلا رسميا في تفقير هذه الفئة.
ومن الأشياء أيضا وضعية المولدي البنكية التي لم تترك من راتبه إلا دينارات لا تكفيه الا لاقتناء الحافلات والميتروات وشطائر ” الملاوي” ثلاثة كؤون من ” الاكسبراس الشعبية ” كما يعرفها سائر التونسيين، ناهيك عن ضوضاء الأقسام والطباشير الذي خلف في بشرته أثرا من الحساسية التي أصيب بها.
في تلك اللحظات كان الخوف يسكنه من لحظات قدوم الميترو وتراكم المواطنين الذين يستقلونه يوميا،نعم هؤلاء الذين تحولهم شركة نقل تونس بسرعة غريبة إلى كائنات متنوعة الأصناف يتصرفون بلا منهج.
يقول المولدي :” بعد إنتظار يدوم قرابة الساعة… تأتي السفينة قبل حلول الطوفان، تفتّح أبوابها لنا جميعا، فننطلق هالعين إلى الركوب، وكأنما المياه غمرت أرض العاصمة… يصّعد الناس جميعا دونما مبالات بأنفسهم أو بغيرهم”.
يبدو المشهد هناك على حد تعبير المولدي مأساويا، إذ يعامل الناس كأنهم قطيع في إحدى الأرياف البرازيلية في حقبة زمنية قديمة، عندما يساقون إلى المذابح أو الأسواق ، ويصعد هو ومن وراءه قبائل وأحياء.
في تلك اللحظات يحدث شلل في الحركة ويحل الهلع والفزع، وتتحول الناقلة إلى حلبة صراع، وفضاء ملائم لممارسة فوضى التدافع ، الفن الجديد الذي علمته الشركة للناس بعدم مضاعفة أسطول النقل.
في تلك اللحظات التي يفكر فيها المولدي يأتي الميترو ويندلع الناس بالمترو، ومع شدة الاكتظاظ يأبى الباب أن ينغلق، ويصير على متن القافلة حديث جديد عن نوع مستحدث من الرياضة وهي رياضة الميترو أين يتصارع الناس على المواقع ويتفننون في التدافع.
يقول المولدي”… صعدت ” في قالب غلطة” ، فوجدتني صاحب الخطأ وخليل الورطة، وجدتني وراء سيدة تصيح ضيقا… يكاد النفس ينقطع عن صدري الذي يشكو من قبل صعوبة في التنفس”.يواصل المولدي “وأنا على تلك الحال، حتى لطمتني السيدة لطمة على وجهي، نسيت على إثرها إسم أمي، والتصق وجهي بزجاج الباب، وتركت بذلك الأثر شعرا من شاربي وريقا من فمي “.
في تلك اللحظات احمر وجه الاستاذ وواصل في الحكي والوصف ” كانت الواقعة مريعة واللطمة سريعة، تركت ما بيدي وكلمت الإمرأة… فكانت لا تستجيب لطلبي الذي يقضي بمطلب الإعتذار، التفتت اليّ وكانت عيناها لا تستجيبان للرحمة أو الإعتذار، كان الغضب قد إمتلكها والحقد قد إكتسبها… يكاد وجهها ينفجر من شدة الاحمرار، تحمل بيدها كيسان من المعدات والحاجات الثقيلة، لم تكن طبيعية البتة وكان كل ما أعلمتني به هو أننا في تونس وهكذا نعيش”.
تخلف المولدي عن حديثها بسرعة، وأخذ حقيبته الأستاذية اليومية ليبدل مكانه من ذاك الموضع، وما إن رفع بصره إلى الأمام، الا وتعطلت بصيرته بسبب الاكتظاظ الكبير.
وقال المولدي وهو في موضع الحشر “شعرت بالإحباط الكبير وأمتلكني اليأس وتيقنت بأن الخلاص من هذا الوضع يكون بشدة البآس والدفع… في تلك اللحظات لم أكن أسمع غير العبارات التالية ( قدموا الوسط فارغ الزح… خلي نطلعوا معاكم نحبوا نروحوا). والميترو عالق في في محطة الجمهورية، مقطع الأوصال بفعل أطفال يعمدون الوقوف في الباب، وصبيان يصيحان بأعلى صوتهما ويجذبان مكابح الطوارئ، وشبان آخرون يؤرخون على زجاج المترو سيرهم الذاتية اليومية وذكرياتهم وأسماء فتيات أرادوهن.
في تلك اللحظات يحاول المولدي النزول لكنه لا يستطيع، مر ربع ساعة والسفينة عالقة، ضوضاء كبيرة وسائق المترو يردد عبر مكبر الصوت ” يا ولادي سيبوا الباب خلي نروحوا”. نساء يستغثن ويرددن ” يا جماعة راهي الكيران باش تفوتنا خليونا نروحوا أمان” وشيخ يبدو أنه فر من مستشفى الرازي يحدث نفسه، يدير وجهه ذات اليمين فيجد إمرأة تشكو من شخص كان يحتك بها بتعلة الضيق، وعجوز يكاد يغمى عليها بعد مسيرة أيام بحثا عن كرسي، وشاب يشعل سيجارة وأخر يصيح ويشتم.
كانت اللحظات أشبه بخروج آخر ناقلة من الشام إلى مصر لن تبلغها إلى بعد أشهر، أو كقاطرة تنقل المدنيين من برلين قبيل قصف الحلفاء بلحظات، بل إن الأمر على حد تعبيره أسوأ وأصعب من ذلك بكثير.
يقول المولدي” بطريقة غريبة تنغلق الأبواب وينطلق الميترو… وتنطلق معه درجات الحرارة بالارتفاع، ليتحول بذلك المرء من موضع الدنيا إلى الأخرة، كما لو أن حسابه قد حل وساعته آنت”.
يتابع الأستاذ ” ينتظر بذلك انفتاح باب السعير في كل محطة يدخل فيها مذنب اللهب، فمحطات الحساب أقل حرا من ذاك السعير… ويظل في كل محطة يقف ويتوقف، ولا يتحرك إلا بقدرة الله السميع العليم، بطريقة فجئية واعتباطية”

“باب سعدون” المراقبة والمعاقبة ثم العذاب

يسير المترو بحركة بطيئة إلى أن يبلغ محطة باب سعدون، وما إن يتوقف هناك الا وتنطلق حملة رقابية مشددة على الراكبين، يصعد على إثرها خزنة الى المترو وكأنهم جنود – كان الأمر سيكون أرحم على حد تعبير المولدي لو كانوامسلحين – أشكال بشرية عجيبة خلقا وأخلاقا، تشرع في طلب تذاكر العبور، ويتم بسرعة كبيرة إنزال عدد كبير من المواطنين الذي لم يقتنوا تذاكر العبور إلى أراضي منوبة، وتنطلق خلافات بين المراقبين والمواطنين وكأنما الأمر متعلق بقطاع طرق استوقفوا قافلة ليأخذوا منها ما يكفي من المؤونة.
على حد تعبير المولدي، يتم رصد كل الناس وتجميعهم بالمحطة، ثم ينقلون فيما بعد إلى حافلة فارغة ليحتجزوا هناك، ينتظرون حتى يحالون على قضاء غير عادل في شكل محاكمات عشوائية، أحكامها خطايا مالية.
في هذا الصدد يقول المولدي ” قبل دخولي للمحطة كنت قد إقتنيت تذكرة، لكن جراء التدافع العشوائي بالمترو كنت قد أسقطها، في تلك اللحظات وأنا أبحث عن تأشيرتي إلا وحل علي وحشي يطلب مني صك الغفران، فسرت له المسألة لكنه أبى أن يفهم، ظللت أعمل على إقناعه بأنني على عجلة من أمري لكنه سرعان ما انتشلني من سترتي وأنزلني من الميترو “.
نزلت بسرعة كبيرة خوفا من الإساءة إلى نفسي، وخوفا من أن يراني أحد تلاميذي، متوجها بذلك إلى الحافلة الغامضة… وما ان صعدت درجها الا ووجدت الناس يستغيثون ويشتكون ، وكأنني من الذين علقت بذممهم قضايا متعلقة بالارهاب، أو بإجراءات تحجير السفر… تغافلت عن الوضع ورأيت عجائب غريبة، أشخاص يُرفعون إلى مراكز الإيقاف بسبب إخفائهم بطاقات هوياتهم… آخرون يخرجون بخطايا وآخرون يخرجون دونما خطايا، باعتبار الإتصالات الهاتفية التي يجرونها مع من يدركونه من أعوان وموظفين وإطارات ليخلصوهم مما علق بهم.

في الأثناء لاحظت ان أعداد كبيرة من الفتيات الساحرات الجميلات يذبلن عيونهم ويبدين أشياء من زينتهم التي لطالما تخلصهم من هكذا مأزق، أما أنا فضللت أتبصر عبر زجاج الحافلة انعكاس وجهي الجميل الذي لا يقدر على تخليصي وتفاصيل الثغرة الناعمة بين أسناني التي يمكن ان تكون ممرا للميترو.
يقول المولدي ” لا تسلط الخطايا إلا على البسطاء الذين لا يتقنون الحديث أو الذين لا يعرفون أصدقاء أو إطارات… إنتظرت دوري كالرجل الشجاع وما إن قدمت بطاقتي بصمت، كان المسؤول عن الرقابة هو الرجل الذي يقف على باب الحافلة، جهبذ أعتقد أنه يتناول في اليوم تسع وجبات، إندثر الباب لضخامة جسده، يحمل على صدره شارة ، عيناه كبيرتان، غليظ الصوت طويل القامة، كان قد قال لي العبارة التالية ” ماتحشمش علا روحك أستاذ وماتقصش”.
يتابع المولدي ” تغافلت عما قال، أخذت وصل الخطية ونزلت من الحافلة فأعترضني الهواء النقي بعيدا عن فوضى الروائح الكريهة التي كان وقعها على نفسي بمثابة الإشعاعات النووية”.

يشير المولدي” في تلك اللحظات سرعان ما إكتشفت من بعد ذلك بأن الناس تحشر حشرا في الحافلة إلى أن يتبدل المناخ ويحدث إنحباس حراري، في ذلك الموقف تحركت ناسيا ومتناسيا ما رأيت وما سمعت وذهبت إلى المحطة والساعة بلغت الخامسة مساءا.
إنتظرت المترو لربع ساعة، واقتنيت تذكرة جديدة، وما إن حل الميترو صعدت تاركا بأزمتي النفسية ووهني وأنهاكي الجسدي، سعيدا بالسعير الحارق الذي عدت اليه بكل فخر وإعتزار لأبلغ وسط منوبة عند الساعة السادسة مساءا.
يروي المولدي كل هذا وذاك وكان قد بلغ منوبة عند الساعة السادسة مساءا، محملا بآلام جسدية ونفسية ، بعد تأخير دام ساعتين وخطية مالية قيمتها خمس وعشرون دينارا وثمن تذكرتين وهو يردد في نفسه، هل كل شعوب العالم تعيش على نفس الطريقة، هل نحن مواطنون نعيش حقا.
يقول فولتير ” يجب أن تخجل من ارتكاب الخطأ، وليس من الإعتراف به” ويقول المولدي، نحن شعوب تكرر أخطاءها يوميا، في وضعية النقل العمومي وفي عديد الوضعيات، والشعوب التي لا تتعلم من أخطائها اليومية، لا يمكن أن تكون أبدا شعوبا ولا حتى حيوانات… فحتى الحيوانات على الأقل تتطور في طرق عيشها، ولا تكرر الأخطاء التي تعيشها.