اختتمت فعاليات العكّاظية الشعرية ضمن الدورة السابعة والخمسين للهرجان الدولي للصحراء بدوز بعد أربعة أيام حافلة بالقراءات والمداولات، امتدت من 25 إلى 28 ديسمبر 2025 بدار الثقافة بدوز.
وتُعدّ هذه التظاهرة من أبرز المنابر العربية للشعر الشعبي، ولا يرتقي إلى ركحها إلا من امتلك نصًا صادقًا وحضورًا شعريًا مؤثرًا، إذ يُعرف الركح التاريخي للعكّاظية بأنه حاضنة للتجارب الكبرى، حيث يقيم الجمهور النصوص قبل لجنة التحكيم، ما يجعل من حضور القصيدة واختبارها أمام الجمهور محكًا حقيقيًا للموهبة، ويضفي على الدورة طابعًا خاصًا من الصرامة والواقعية الفنية.
المشاركات والفرز
شهدت الدورة مشاركة 46 نصًا شعريًا من عدة بلدان عربية، اختارت لجنة الفرز منها 16 شاعرًا، منهم 14 تونسيًا، شاعر من ليبيا، وشاعرة من الجزائر.
وتكوّنت لجنة الفرز من كلّ من الشعراء؛ محمد الملوح باللطيف، أيوب علي لسود، جابر المطيري، لمجد بن منصور، وعلي الحرابي، الذين أشرفوا على فرز النصوص وفق الشروط المحددة. ووضعت اللجنة شروطًا صارمة للنصوص، بحيث لا يتجاوز طول القصيدة 60 بيتًا، مع ترك حرية الموضوع وإضافة شرط الارتجال بسبعة أبيات أمام لجنة التحكيم.
وتداول الشعراء على الركح على مدى ثلاثة أيام، خُصّص اليوم الرابع لإعلان النتائج، وسط أجواء تفاعلية غنية، حيث تابع الجمهور القراءات والمناقشات بحساسية ووعي عالٍ.
تصريح رئيس لجنة التحكيم
في حوار مع الصحفية ألفة مباركي لموقع التيماء، تحدث رئيس لجنة التحكيم الشاعر منير بن نصر عن أهمية العدالة في التحكيم وضرورة اختيار لجنة متوازنة التخصصات لضمان مصداقية النتائج، مؤكدًا أن التنوع في خبرات أعضاء اللجنة كان أساسًا لتقييم متوازن يشمل النص، الأداء، اللغة، والرؤية الفنية، وأن الهدف الأسمى هو أن يحصل كل نص على حقه وفق معايير دقيقة تراعي البنية الفنية واللغوية والأداء الركحي والتفاعل مع الجمهور.
أعضاء لجنة التحكيم
تكوّنت لجنة التحكيم من الشاعر منير بن نصر، الذي اضطلع بدور المشرف العام على اختصاصات أعضاء اللجنة، فكان المنسّق بين الرؤى وضابط إيقاع العمل والمُعدّل بين التقييمات، إضافة إلى: الدكتور زيد غالي السلامي من العراق، والدكتور خليفة بوخليدة من ليبيا، المكلفين بتقييم اللغة والصور الشعرية والبناء الدلالي، والمسرحي عبد الناصر عبد الدايم من دوز الذي تابع الحضور الركحي والأداء الإلقائي والتفاعل مع الجمهور، والشاعر الطيب الهمامي من باجة المختص بالأوزان الشعرية والإيقاع لضمان سلامة البناء الفني.
منير بن نصر: سيرة وتجارب
يُعدّ منير بن نصر أحد أبرز الأسماء في الشعر الشعبي العربي، فقد توّج بالجائزة الأولى في العكّاظية الشعرية عام 2008، وحقق لقب شاعر المليون في 2010، وكان الوحيد من بين 48 شاعرًا حصلوا على هذا اللقب من بين أكثر من 22 ألف شاعر عربي، كما نال في نفس الموسم جائزة رئيس لجنة التحكيم لشاعر المليون، وهي تُمنح لشاعر واحد فقط من بين المتوجين. كما توّج عام 2010 بالجائزة الأولى في المهرجان الوطني للشعر الشعبي عن نصه “رسالة من شاب مهاجر”، ويجمع منير بن نصر بين الشعر والموسيقى والكتابة الأدبية، معتبرًا الكلمة والفن وحدة تعبيرية متكاملة.
تقييم النصوص
أوضح رئيس لجنة التحكيم بن نصر، أنّ مستوى النصوص تراوح بين الضعيف والمتوسط رغم رفع قيمة الجوائز، معتبرًا أن ذلك يطرح علامات استفهام حول الأداء الشعري.
وأشار إلى أن السبب قد يعود إلى ابتعاد بعض الشعراء الكبار أو مرور المشهد الشعري بمرحلة فراغ مؤقتة، مع وجود عوامل أعمق قد تكون تنظيمية أو ثقافية أو ظرفية. وأضاف أن اللجنة ستدرس هذه العوامل بعناية لوضع الإصبع على مواضع الخلل، حفاظًا على مكانة العكّاظية وتاريخها، ولضمان تقديم نصوص شعرية تليق بجمهورها الواعي وذاكرة الركح العريقة.
الجوائز
توجت المسابقة بجوائز مالية وتكريمات معنوية للفائزين؛ فقد نال الشاعر رضا عبد اللطيف من دوز الجائزة الأولى عن نصه “البرود” بمبلغ سبعة آلاف دينار، بينما حصل الشاعر محمد بوكراع من تطاوين على الجائزة الثانية عن نص “الذيب” بمبلغ أربعة آلاف دينار، والجائزة الثالثة من نصيب الشاعر صالح بن التواتي من سوق الأحد عن نص “ميت رثا ميت” بمبلغ ألفي دينار.
وحاز الشاعر كمال الخليفي من القيروان على جائزة المرحوم العيدي بلغيث، المتخصص في الأدب الشعبي، عن نصه “الحلم الحافي”، فيما منحت لجنة التحكيم تنويهًا خاصًا للشاعرة الجزائرية كوثر فراحتية عن نصها “إلى أبي” تقديرًا لاختلاف مقاربتها الإنسانية وكسرها للنمط السائد.
رأي رئيس اللجنة في العكّاظية
وصف منير بن نصر الدورة بأنها تميّزت على مستويات عدة، مشيدًا بتفاعل الجمهور ووعيه، وبحسن التنظيم وتوفير جميع المتطلبات اللوجستية، مشيرًا إلى أن أبرز ما ميّز هذه الدورة كان الحوار المباشر بين لجنة التحكيم والشعراء والجمهور عقب القراءات، ما أضفى بُعدًا تفاعليًا غنى تجربة المسابقة وعزز التواصل بين المبدعين والمتلقين. وأكد أن إدارة المهرجان استحقت التقدير لتجديد ثقتها باللجنة لسنتين متتاليتين، مع الحرص على تطوير آليات التحكيم وتعزيز التجربة الثقافية، مشددًا على أن السعي إلى العدل والإنصاف يظل الهدف الأساسي رغم صعوبة إرضاء الجميع.
توصيات اللجنة
أكّد بن عون أن توصيات اللجنة للسنوات السابقة تم الالتزام بها بالكامل، بما فيها الاهتمام بمكان عرض العكّاظية، والامتناع عن إشراك المتوجين في السنة الماضية واسنادهم مهمة لجنة الفرز لضمان التجديد. أما توصيات هذه الدورة، فأشار إلى ضرورة ارتقاء الشعراء بجودة نصوصهم واستثمار حرية الموضوع في معالجة قضايا جديدة وغير مستهلكة لضمان تقديم نصوص تليق بذاكرة الركح وجمهوره الواعي.
ألفة مباركي














