full screen background image
   الأحد 17 نوفمبر 2019
ر
أمجد ناصر: مجـــدٌ يتيــمٌ في وجــهِ فجيعــتنا المتعدّدة !-التيماء

أمجد ناصر: مجـــدٌ يتيــمٌ في وجــهِ فجيعــتنا المتعدّدة !

 “وقبرُ حرب في مكان قفر.. وليس قُربَ قبرِ حرب قبرُ”

 (تزعم بعض المصادر أنّ هذا البيت من نظم الجنّ)

لندن.

.. ومرثيّة أخيرة جثتْ على جناح فراشة تنتظر ترجُّل كلماتها لتنفجر في وردة المطرِ الأوّل حبر الوداع الأخير.

هناكَ وحدكَ. “حيثُ لا تسقطُ الأمطار” متَّ وحدكَ. تركتَ وحدكَ اسمكَ في مزامير حرب قديمة وفكّكت، وحدكَ، دهشة الانتظار الذي حطّ على أرنبة خوفنا منذ سمعنا هسيس مرثيتكَ قبل أشهر.

فارّا من نبوءة اسمكَ المعمّد على صليبِ أمّكَ كرغيف ساخن هارب من فجر معجون من نار مسروقة. رحلتَ وجلستُ أمزّقُ الخبر أمام أعينِ المولعين بتقديم مشهد مألوف: لقد مات أمجد ناصر.

وماذا نكتب؟

تفقدّتُ اسمي: كاملا لم تصبّه شظيّة الحدثِ بالتجلّي. مازال في وسعي أن أرثيكَ إذن. لم نلتق ولن تلتقيَ مع الذين التقيتَهم دائما بعد الآن. لكّن شهيّة التفجّع ترفو غمام لندن الضبابيّ وتتآكل داخلنا كحطب المدفأة المنذور لعيد لا يحمل فرحنا.

وتحسّستُ اسمك أو.. اسميْك. أنيقان لم يهربا من أبجدية الخلودِ ولم يتنازعا حول أفضليّةِ النبوءة أمام قناع حبركَ ولا على أفضليّة الاسم على الفعل. وحدهما صمدا في حديقة لندنيّة باردة أمام عوَاء الأشجار التي شهقت: يحيى نعيمات وأمجد ناصر.

الآن تستطيع عمّان أن تطرد معزيّها وتصرخ: سميّتهُ يحي ليحيا. لا تؤمن عمّان النائمةُ على بركان بارد بالأساطير التي توقظ الموتى وتحنّط مراثينا. بيد أنّ سماء فلسطين تحّك صوّانها لتراكَ بعيدا: أسطورة مجد ونصر تشفى فيكَ من سرطانها وتشفى فيها من موتكَ.

ينهضُ الموتُ. يشربُ قهوتــهُ ويخرج من شرنقة المجاز الكثيف الذي وضعكَ فيه. يقول: إنّ الموت حادثٌ. والحوادث لا تستثني شاعرا أو ساعي بريد. سننسى زحام الموت غدا وسيمشي إلينا يومنا عجولا ولجوجا. كنتَ تعرفَ ذلك. ولأنّكَ تعرفُ، نظمتَ وداعكَ وحدك. ودعّت طريقكَ وشعركَ وسفركَ واسمكَ السريّ. سيظّل العلنّي شاهدا علينا، نحيا منكَ وفيكَ.

لستَ أوّلَ من يرثي نفسه. سبقك الكثيرون إلى هذه المغامرة. ولستُ أوّل من يرثيك. سبقتني الأمطار إلى ذلك.

عِمت مساء يا أمجد.

أحاول أن أطرد الخوف المتربّص بهذا البياضِ الكثير أمامي. أن أكتبكَ وأنسى.. أنسى أن حرفا واحدا يمكن أن يوقعني. أمشي إلى كلمتكَ بوجل طفل يتصيّد شجاعة خفيفة ليسم بها مشيته الأولى.لمَ تجعلني أمام هذا الامتحان الصعب؟ كيف يَمتحنُ الموتى الأحياء؟ ربمّا هو  الشعر. الشاعر صنو المعجزة، ومن معجزاتك يا أمجد أنّك لا تــُرى ولا تتكرّرُ !

يخفيكَ النهارُ كما يخفي ليلٌ بريّ غابة نخيل بأسرها. يعــدُ الشعرُ بعدكَ تفعيلاته ويوثّقُ زحافاته لئلا تنحّل في نهر الكناية الكبيرة علّلا ثقيلة على القلب والبحور.

بأيّ لغة أكتبُ هذه المرثيّة؟ أنبشُ عن أبجدية قرأتها وتأثّرت بدهشتي لتزوّد ذاكرتي بقليل من النسيان الضروري حتّى أخطّ سطورا نقيّة من ظلال شعراء آخرين شنقوا أمامي سؤال الشعر الكبير ومضوا. وأحاول أن أنقذ هذا الوشيش الذي وسموه بالرثاء من بلادة رتابة تستجيبُ إلى نموذجيّة المرثية الحديثة، كأنّ أعدّد مزاياكَ أو ابتساماتك أو ببساطة أن أمدحكَ. أريدُ فقط أن أنجو من قارئ يهدّدني بالوضوح. أنا لا أرثيكَ. أنا أختبئُ من مزاح الزمن الثقيل الذي يلسع نافذة الأمل المحجوبة بأغصان أشجار تكسّرت على شرفتها. أحاول أن أشكرك على علامة جيّدة من جامعة عريقة منحتني غرورا كافيا لأشفى من خيبة قديمة أصابتني في مدرج قديم، يوم قدّمتك إلى جمهور إفرنجي وأقنعتُ لغتهم المدجّجة بالتبجّحِ أنّكَ اثنان في واحد وأنّ لعبة الشعر في لغة الضادّ لم تقو على فكّ اندغامكَ فيه، وأنّك منحت البحور الشعريّة العربيّة حقّها في اعتلاء المسرح والضحكِ على النثرِ. لم يع الشعر معكَ أنّ انفتاحه على النثر ضحكة ماكرة منك على مسرح الحياة الكبيرة. تركتَ نثركَ للرحيل الكبير فنثرنا أمام دهشة الشعر الأوّل: من أيّ بحر جُبلتَ؟

وقالوا إنّ “شاعر القضيّة “مات. لن تحميك أقنعتكَ ولن يشفع أرسطو. فلسطين ليست المدينة الفاضلة ولكنّها لغزنا الدائم. هي لا تقتل كتّابها، لكّنها مسكونة بحتميّة الانتماء الدائم إليها تعويضا معتبرا عن ضياعها الحاليّ. كم تحتاج فلسطين إلى شاعر لتثبت جدارتها بالكينونة على جغرافيا الأدب مادام الأمر مستحيلا ــ مبدئيا ــ على جغرافيا الأرض الذي قضم تفاحتها غزاة هامشيون؟

أرقبُ هذا النزاع الذي أثاره موتك بين عمّان وفلسطين.. تحرّك فيّ غيرةُ المدن عليكَ شهوة الموت على أعتاب مدينة لا تنكرني! ستصرخ بيروت في الأربعيّنية ربّما: هنا وضع على قمري تفاحة الشهوة الأولى. تغلي يا أمجد هذه المدن. تغلي وتثور. تميد كزلزال يبشّر بأغنية. وأنتَ، أنتَ اخترت أن ترحل وسط ضجيجها العالي لئلا تنتبه الدوالي فتجهض عنب الانتصار المنشود.

شمّت المدنُ غيابكَ. ربّما وشت به لندن من باب الغيرة كذلك. تذكّرت فجأة أنّك صاحب إيمان مفتوح على أصوات جديدة وأنّك لا تنفّك تحاول أن ترتق نصّا فتيّا سقط على سروة فخمَشَهُ وبرُ الصنوبر لتضعه بيديكَ في “القدس العربي” كلمة من تراب وحبر. لقد نسيتُ ذلك العامَ أن أشكركَ على كلمة نشرتَها. ظننتُ أنّنا سنلتقي وأنّه ما يزال عندي متسّع من الوقت وأنّك ولدت معافى من احتمال المرض. نسيتُ فيما نسيتُ أنّ الشعراء يمرضون !

ويا أمجد.. من سيكتب وصيّة الشهداء المنذورين لأيّامنا القادمة؟ من سيكتب اليمن وبيروت وتونس ومصر والشام؟ من سيعلّم الشياطين الشعر؟من سيسألك: أين ستسقط الأمطار؟

سلاما يا أمجد.. واحدٌ أنتَ، ونحن فجيعة متعدّدة.

ها أنتَ تعـــودُ، أيّها الرجلُ الهارب من عواقب اسمه.[1]

 

  إشراق كرونة ـــ باحثة بجامعة السوربون / باريس

03 نوفمبر 2019

[1]من رواية أمجد ناصر “حيث لا تسقط الأمطار”/ ص 13