full screen background image
   الثلاثاء 28 أبريل 2026
ر

من “مجرد مجمع” إلى قاطرة اقتصادية: هل تكسر المرأة الريفية التونسية قيود البيروقراطية؟

  • بقلم:
  • ياسمين بوذينة

لم تعد المرأة الريفية التونسية مجرد “عاملة فلاحية” في ظل التغيرات المتسارعة بل أصبحت اليوم صاحبة قرار ومحركاً لشركات تعاونية بدأت تغير وجه الأرياف. هذا ما كشفت عنه الندوة الوطنية التي نظمها مشروع (Savoir Eco) بمدرج المعهد الوطني للعلوم الفلاحية (INAT)، حيث أُعلن عن أرقام تعكس “ثورة صامتة” في القطاع الفلاحي، تقابلها حواجز قانونية ولوجستية تهدد هذا الطموح.

القفزة كانت هائلة فمنذ عام 2011 الذي شهد ولادة أول مجمع نسائي انفجر العدد ليصل اليوم إلى 252 مجمعاً تنموياً (GDAP) نسائياً بالكامل يضم أكثر من 7600 منخرطة بالإضافة إلى 33 شركة تعاونية (SMSA).

هذا الزخم العددي رغم قوته لا يزال يصطدم بـ “سقف زجاجي” يمنعه من التحول إلى قوة اقتصادية ضاربة فالمعضلة ليست في “العمل” بل في “القانون” و”التمويل” فهذا “الثالوث المعرقل” الذي كشفت عنه الدراسات الميدانية لمشروع “سفوار إيكو” في ولايتي سليانة وباجة، ليس مجرد ملاحظات تقنية بل هو بمثابة “حزام خانق” يمنع هذه الهياكل من التحليق فالمجامع النسائية اليوم تجد نفسها حبيسة مأزق قانوني غريب حيث تُكبّلها نصوص تشريعية عفا عليها الزمن تمنعها من حقها الطبيعي في إعادة استثمار فوائضها المالية مما يحولها قسراً إلى كيانات اقتصادية جامدة لا تملك القدرة على التوسع أو التحول إلى مؤسسات اجتماعية منتجة تليق بطموح المنخرطات فيها.

ثورة في الأرقام.. ولكن!

ولا تتوقف المأساة عند حدود الأوراق والقوانين، بل تتجسد في “أزمة مكان” مريرة تجعل من العمل اليومي معركة حقيقية ففي ولاية سليانة على سبيل المثال تفتقر أغلب الناشطات إلى أدنى المقومات المهنية حيث تغيب المقرات المجهزة التي تسمح بتحويل وتخزين المنتجات الفلاحية مثل الزيوت والحبوب والتين الشوكي وفق المعايير المطلوبة وهو ما يضعف جودتها ويقلص من قدرتها التنافسية أمام المنتجات الصناعية الكبرى. هذا الحرمان اللوجستي يكتمل بـ “جدار بنكي” شاهقة حيث يظل النفاذ إلى القروض الكلاسيكية ضرباً من الخيال لهذه المجموعات التي تضطر في نهاية المطاف للاكتفاء بتمويلات ذاتية “هشة” ومحدودة تمنعها حتى من مجرد التفكير في اقتناء معدات ثقيلة أو تطوير سلاسل الإنتاج لتظل هذه الديناميكية النسائية أسيرة حلقة مفرغة من غياب الإمكانيات رغم ثراء الأفكار والمنتج.

ولأن تشخيص الداء لا يكفي وحده لاستنهاض الهمم فقد تحولت الندوة إلى غرفة عمليات لصياغة “برامج إنقاذ” حقيقية وُجهت إلى صناع القرار تحت مسمى “مذكرة تفكير” وهي في جوهرها خارطة طريق عملية لاستعادة السيادة الغذائية التونسية بذكاء نسوي. تنطلق هذه الخارطة من ضرورة “تغيير قواعد اللعبة” عبر صياغة قانون مرن يقطع مع البيروقراطية الرثة ويعترف أخيراً بالخصوصية الاقتصادية للمرأة الريفية كمنتج وليس كحالة اجتماعية بالتوازي مع “تشبيب التسيير” من خلال دمج الخريجات الشابات في صلب هذه المجامع لتحويلها من مجرد تجمعات تقليدية إلى وحدات إدارية حديثة تدار بعقول أكاديمية وطاقة شبابية عاطلة عن العمل.

هذه الاستراتيجية لم تغفل عن “معركة الأسواق” حيث طالبت المذكرة بقرار سياسي جريء يكسر شوكة الوسطاء الذين يمتصون أرباح الكادحات وذلك عبر منح هذه المجامع الأولوية في تزويد المطاعم المدرسية والمؤسسات العمومية بشكل مباشر مما يضمن وصول المنتج من “المنبع إلى المائدة” بأقل التكاليف وأعلى جودة ومع التحول الرقمي يصبح الهاتف الجوال في يد المرأة الريفية منصة تسويق عابرة للحدود تحول القرية الصغيرة إلى سوق مفتوحة على العالم وتجعل من التكنولوجيا سلاحاً لانتزاع الاستقلالية المادية.

إن الرسالة الختامية للندوة كانت مدوية في بساطتها: “المرأة الريفية ليست بحاجة إلى إعانات اجتماعية، بل هي بحاجة إلى هدم الحواجز القانونية من أمامها لتبني لتونس أمنها الغذائي”. ومع تكريم الابتكار الشبابي والإنتاجات السمعية والبصرية في ختام الأشغال، بدا واضحاً أن القضية قد غادرت أسوار المزارع لتصبح قضية رأي عام ومستقبل وطني يدعمه ائتلاف بحثي صلب ليبقى السؤال المعلق : هل ستلتقط الحكومة هذه “المذكرة” وتحولها إلى قوانين تحمي عرق نساء الخضراء أم ستظل هذه الحلول حبيسة الرفوف الأكاديمية؟