من الشعر أن تفصح الذات عن شواسعها حيث اللغة سفر تجاه الآخرين و العالم نحتا لدروب شتى ترومها الكينونة و الهواجس و الرؤى قولا بالحلم مقابلا لشجن القلب و القلق الدفين في عالم يمشي معنا و لكن بلا قلب..و هنا يصرخ الشاعر و هو يغني معلنا ألقه رغم التداعيات المريبة و السقوط و الالانهيار و لا يعنيه في عنفوان كل ذلك غير التمسك بالأمل فكرة و تقصدا و بوحا عميقا به يسعد الكائن في سفره المحفوف بتلوينات شتى من تداعيات المغامرة و عائداتها الممكنة ..و الشعر كذلك هذه المغامرة اللذيذة و المربكة أيضا…
و هنا و في هذه المناخات نمضي مع شاعر تخير من سنوات طريقا لقوله الشعري في ثنايا الذات و هي ترى في العالم مجالا للانسان و هو يحاور العناصر و التفاصيل و يحاولها حيث القصائد لديه عناوين شتى للانسان هنا و هناك في أحواله بين الأمكنة و المدن و التواريخ و الراهن و التوستالجيا و المتغيرات و العولمة و أصالة الأشياء و التفاصيل..
الشاعر العيدي الهمامي يقترح على القارئ سفرا شعريا مفتوحا على ذاته و العالم و ما يحدث و ما حدث و ذلك في عمله الشعري الجديد في ديوان من 250 صفحة وفق عتوان لافت هو ” نصوص خارج اللغة ” صدر هذه الأيام عن دار نهاد للنشر و التوزيع و ضمن سلسلة ” ابداع ” .
و من نصوص المجموعة نقرأ ما يلي :
“…كلما قلت أحتاجك
نطقت يدها
هي تعرف جيبي أكثر من موظف الأداءات
سألتها عن »كليبترا« وعن »أم موسى« وعن »مريم العذراء«
وعن »أديبيا« وعن »أروى القيروانية« وعن« هيلين« وعن
»ليلى خالد »
وعن »جوليات« وعن »جميلة بوحيرد«
كشرت عن نابها الفضي وأوقدت نيران رشاشها ورمتني
ومن ذكرت برشقة من وابل معجمها المحيط
تدحرجت أنا
هوى الذي طار
انتحر الممثلون
والمخرج سقط تحت مقذوفات الحضور
وبقيت الكراسي شاهدة على انهيار سقف قاعة العرض
المسمى » ذكي«
نطرت يدي
أفلتني منها
دارت األرض
ولم تكمل دورتها…”.
قصائد متعددة في مضامينها و اشتغالاتها وفق مزاج الشاعر و هو يتجول بين الكائنات و العناصر بروح موجوعة و ذات متألمة و في شيء من المراوحة بين الواقعية و السخرية و الحلم و الانكسار و الأمل كما يحضر الحنين حيث المكان القيرواني الطافح بالذكرى و طفولة الأشياء و من ذلك ما يلي:
“…قيروانيات
جمل بئر بروتة
أذكت غريزته كلبة العبادلة 7
بات يلعن العطش
كيف يرد البئر وال يشرب
…………………..
حمام الباي
يحضن الصبايا صباحا
وفي المساء
يوصلهن للعرسان
…………….
دار أسد ابن الفرات
ذاكرة حسين
وسجائر القهواجي…”.
في هذه المجموعة الشعرية يطرح الشاعر بأسلوبه سؤالا قديما جديدا متجددا يخص جدوى الشعر هذا الفن الانساني القديم و بأسلوبه البسيط العميق يأخذ الشاعر العيدي الهمامي القارئ لهذا الديوان الى ان يبحث معه عن فكرة الشعر و تماهياتها الممكنة مع الأشياء المحيلة الى الكلمات و الشعور و ما به تتشعرن العناصر و الأحوال و هو يطرح سؤاله (ما نفع الشعر؟)و مجيبا عنه ضمن مقاطع خفيفة و قصيرة و دالة فان الشاعر الهمامي يحيل الى قلقه الذاتي و هو يتعاطى مع القصائد معايشة و كتابة و حلما و هنا نقرأ ما يلي في نصوص (ما نفع الشعر؟):
“…
ما نفع الظل
ان كان العود من حولك أعوج
وما نفع الشجر
إن كان لا يثمر
وما نفع قلب
بالحب لا ينبض،
وما نفع السيل
إن كانت تسحه الأفاعي
الجدول.
وما نفع قولأحبك
إن كان المخاطب
أخرسا لا يسمع
وما نفع الحذاء
إن كان المرؤ كسيحا
لا يتحرك
وما نفع الرغيف اليابس
إن كان الفم بلا أسنان
ولا يقضم
وما نفع الشعر
إن ابتليت بشعب جاهل
أحمق لا يفهم….”.
في الديوان قصائد سعى من خلالها الشاعر العيدي الى الاشارة الوطن و من ذلك مسألة حب الأوطان زمن الخيانات حيث الوطن لديه لغة يسبح في مجالاتها بين وجع و حلم و هو الشاعر الذي تأسره الكلمات و الوطن و أحواله :
“…من يخون الماء
خان البحر
واليابسة
من يخون الملح
خان الطين
والهواء
من يخون التراب
خان الراية
واللغة
والوطن…”.
في جانب آخر نقرأ قصيدا ضمن هذه المجموعة الشعرية للهمامي و هي تبحث مثلما يقول عنوانها ( كيف تولد القصيدة ) عن مأتى الشعر و ما يحف بكتابته و بوادر العلاقة تجاهه حيث يبني الشاعر كونا يرى فيه الشعر نابعا من المعاناة :
“…مابين نقطة
وفاصلة
تقف عالمات التعجب
والاستفهام،
وما بين كلمة
وصورة
يعسكر أكثر من معنى،
هكذا تولد القصيدة
من رحم المعاناة
تأصيال
لكيان البدايات
والنهايات
زهرة برية
تتشقق عنها الصخور…”.
عوالم مختلفة أنشأ منها و بها و فيها الشاعر العيدي الهمامي هذه المقابلة تجاه الشعر الذي جعله مسافرا يرى في الأمكنة و الجهات وجوها تشبهه و تأخذه الى مدينته بتفاصيلها و اجوائها ديدنه أن يرسم البورنريه المناسب لأحواله ليكون له المجال شاسعا لاكتشاف ذاته الأخرى في كل اللغات..انه الحلم من رحم المعاناة واللهو تجاه طفولة الأشياء لاستعادة ما مضى وما
س/قد يأتي…
و هنا نقرأ ما يلي في نص (مدينتي):
“..في مدينتي
حين تخلو الشوارع من المارة
أبحث عن شعبي بالمقاهي
ألشاركه الفرحة
في » ميسي« و«رونالدو«
واحذر أن تفكر
إن رمت الكتابة
عليك بفردتي نعليك
لا القلم…
في باريس
حين تخلو الشوارع من المارة
يغص متحف »اللوفر«
وتمتلئ المسارح
وقاعات السينما
وتندر الكتب بالمكتبات …
في مدينتي
كم يلزمني من قناع
حتى أتجدد في اليوم
أكثر من مرتين …
وكم يلزمني من الألوان
حتى أرمم فرشاتي
وأرسم لي بورتري
يعجبني
وبعجب الجميع …
وكم يلزمني من شفاه
حتى أغير من صوتي
وأتكلم بأكثر من لغة…”.
قصائد متعددة منها “كم يلزمني من وقت” و “عرب” و “مدينتي” و “وتنتهي الحرب” و ” شربت و ما ارتويت” و “ما لم نعهده من قبل”…و ها هو الشاعر العيدي الهمامي يأخذنا بطريقته الشعرية في سفر من ذاته الى العالم و ما يحدث و ما حدث و ذلك في هذا العمل الشعري الجديد و هو ” نصوص خارج اللغة ” و الصادر عن دار نهاد للنشر و التوزيع و ضمن سلسلة ” ابداع “…
شمس الدين العوني















